بنيات التناص الحواري في قصيدة
" لن أطلب من أمي رغيفا " الشاعرمحمد الملواني
هذه المقاربة شاركت بها في انشطة جمعية اوثاق السهول
للتنمية والثقافة والابداع
أمس 04 - مارس - 2018
...
توطئة :
لمَ الكلامُ عن التناص ؟ لأن الابداع العذري فكرة وهمية ، فلا أحد يبدع من منطلق صفاء النوع إلا " آدم " عليه السلام ، فهو المتكلم الوحيد الذي لم ينطلق من تناص ... والبقية من البشر يخلقون متونا عامرة بدرجات متفاوتة بالمحاورة لنصوص اخرى لا من باب السرقة ولكن من باب التفاعل .
مقاربة :
حساسية الشاعر للواقع بوصلة مؤشرها مرهف ، سرعان ما يتحرك في اتجاه الضوء المستهدف من قِبل الظلام ، لإحراج الظلام نفسِهِ في فعل التمويه والتعمية . وهي حساسية امتطاها شاعرنا محمد الملواني الموسوم بالاختلاف العامر ، المميّز عبر ترسيمات حرفية تمتح بؤرها المشرقة من المعانقة الراقية لسيماء الواقع ، لا من باب المرآتية التسجيلية البليدة ، ولكن من أفق الكشف والفضح الراغبين - من منطلق وعي نوعي - في ممارسة لعبة العراء و نزع اوراق التوت عن عورات هذا الواقع الحابل بشتى المفارقات والتناقضات العاملة على تمرير خطاب البداهة الفاتكة بلعنة السؤال ... وهي لعنة لذيذة لا يمكن لفعل الظلام ان يواريها خلف ضباب الإعتام .
في قصيدة بعنوان " لن اطلب من أمي رغيفا " تمتدّ عملية البوح دافقة متدفقة عبر أربع بنيات قولية متداخلة حدّا التماهي ، في نسغ قولي ينبني على ثنائية التشعب والانسجام ، تشعب مصادر المتح الموضوعي ، وانسجام فعل الكتابة وقبله فعل الرؤية ...
1 - بنية المقول الحواري التراثي : ونعني به التناص مع اللحظة التراثية التي انخرط فيها الشاعر عبر مدخلين :
= مدخل الشهادة ونقصد به استشهاد الشاعر بالنص القديم " لو كان الفقر رجلا لقتلته – علي بن أبي طالب " ليقول مقولته المبدعة ببصمة تمتلك بقوة الشعر خصوصيتها " الاملاق رجل ، سأشهر قلمي وأقتله "
= مدخل الصورة ونقصد به استلهام الشاعر لمشهد تاريخي مارسته المرأة و هي تعضد حركية الرجل في حروبه القديمة دعما معنويا وماديا ، ليقول " وأدعو النسوة ، لينشدن بالدفوف ، معركة العزوف ، عن حب الرياء ، لنفرش أوراق الخريف " ... إحالة على قولهن القديم " ونفرش النمارق "
2 - بنية المقول الحواري الفني : انخرط فيها مع التراث الفني " سَيَذْكُرُنـي قـومـي إذا جَــدَّ جِـدُّهُـمْ ، = وفــي اللّيـلـةِ الظَّلْـمـاءِ يُفْتَـقَـدُ الـبَـدْرُ- للشاعر العباسي أبي فراس الحمداني " ... قال الشاعر : " أبتاع كفنا ، أخيطه بعيدا عن الفقهاء ، وأزفني نديما
في الليلة الظلماء ، يوم يفتقد البدر "
3 - بنية المقول الحواري المعاصر : هنا يمكن القول إن الشاعر لا يكرر ذواتٍ أخرى بقدر ما يتفاعل مع الحساسية الشعرية الحداثية في انسرابها داخل نسغ الابداع دون استشارة ودون نسخ حرفي بليد ، انظروا إلى قوله المجتهد اجتهادا ماضيا حتى لا يقع التشابه " لنفرش اوراق الخريف كفناً منتصبا للواتي تخردلن وسط الدقيق " إيحاء برائعة سميح القاسم " منتصب القامة أمشي " والذي يؤكد مذهبي في القول ، هو قصيدة أخرى للشاعر الملواني عنونها ب " لن اشارك في مأدبة اللئام " حيث أشار بصريح اللفظ الى النص المستلهم وإلى صاحبه سميح القاسم
4 - بنية المقول التأسيسي : ونقصد به بنيات الابداع الشعري الموسومة بأصالة الشاعر وهو ما يمثل صلب العملية الابداعية والنواة المالكة لزمام النص ، والتي يعبّر عنها في أدبيات تحليل الخطاب بسلطة النص .
القصيدة عند محمد الملواني ليست أنساقاً مغلَقة على ذاتها ، وقوّتُها في اعترافها بالنصوص المحاوَرَة ، وفي اغترافها من النصوص المحَاوَرة أيضا ... وفي جدلية الاعتراف والاغتراف تنبع حقيقة الابداع سويّة لا تدّعي الكمالَ خارج أنساق التّفاعل وبالتالي فكونها تمتح من هذا النص أو ذاك ، لا يفسّرُ بحاجتها و افتقارها لمادة النص ، بل يفسّرُ وفقط بقدرتها على التفاعل الثقافي الحضاري العابر للأزمنة والمادّ لجسور التواصل مع الماضي والحاضر
...
نون حاء
انظر النص للشاعر محمد الملواني :
لن أطلب من أمي رغيفا
اختنقت حروفي وسط العجين
فصدحت القصيدة
ولكن الروي أسكنه المد
سكنت بيتا
مطلعه تصريع
فردد النذير
زغرودة الشهيدات
بلسان الجوع
بلسان الظمإ
ألفتك ياوطني
عشقتك يا وطني
فمالك تهديني هذه الندوب
أما كفتك تجاعيد الزمن؟
الأحبة يتساقطون
الأحبة يتهاوون
الإملاق رجل
سأشهر قلمي وأقتله
وأدعو النسوة
لينشدن بالدفوف
معركة العزوف عن حب الرياء
لنفرش أوراق الخريف
كفنا منتصبا
لللواتي تخردلن وسط الدقيق
دقيق المهانة
كيف أطلب من أمي بعد اليوم رغيفا؟
زيت العجين مخضب بالدماء
أبتاع كفنا
أخيطه بعيدا عن الفقهاء
وأزفني نديما في الليلة الظلماء
يوم يفتقد البدر
يصبح فراش الاعراس كابوسا
ليلا تغول في رفاة البؤساء
أسطورة نرويها
لمن عجينهن خميرته الأولياء
يا أمي إياك والعجين
طهري يديك
تيممي إن منعوك
" لن أطلب من أمي رغيفا " الشاعرمحمد الملواني
هذه المقاربة شاركت بها في انشطة جمعية اوثاق السهول
للتنمية والثقافة والابداع
أمس 04 - مارس - 2018
...
توطئة :
لمَ الكلامُ عن التناص ؟ لأن الابداع العذري فكرة وهمية ، فلا أحد يبدع من منطلق صفاء النوع إلا " آدم " عليه السلام ، فهو المتكلم الوحيد الذي لم ينطلق من تناص ... والبقية من البشر يخلقون متونا عامرة بدرجات متفاوتة بالمحاورة لنصوص اخرى لا من باب السرقة ولكن من باب التفاعل .
مقاربة :
حساسية الشاعر للواقع بوصلة مؤشرها مرهف ، سرعان ما يتحرك في اتجاه الضوء المستهدف من قِبل الظلام ، لإحراج الظلام نفسِهِ في فعل التمويه والتعمية . وهي حساسية امتطاها شاعرنا محمد الملواني الموسوم بالاختلاف العامر ، المميّز عبر ترسيمات حرفية تمتح بؤرها المشرقة من المعانقة الراقية لسيماء الواقع ، لا من باب المرآتية التسجيلية البليدة ، ولكن من أفق الكشف والفضح الراغبين - من منطلق وعي نوعي - في ممارسة لعبة العراء و نزع اوراق التوت عن عورات هذا الواقع الحابل بشتى المفارقات والتناقضات العاملة على تمرير خطاب البداهة الفاتكة بلعنة السؤال ... وهي لعنة لذيذة لا يمكن لفعل الظلام ان يواريها خلف ضباب الإعتام .
في قصيدة بعنوان " لن اطلب من أمي رغيفا " تمتدّ عملية البوح دافقة متدفقة عبر أربع بنيات قولية متداخلة حدّا التماهي ، في نسغ قولي ينبني على ثنائية التشعب والانسجام ، تشعب مصادر المتح الموضوعي ، وانسجام فعل الكتابة وقبله فعل الرؤية ...
1 - بنية المقول الحواري التراثي : ونعني به التناص مع اللحظة التراثية التي انخرط فيها الشاعر عبر مدخلين :
= مدخل الشهادة ونقصد به استشهاد الشاعر بالنص القديم " لو كان الفقر رجلا لقتلته – علي بن أبي طالب " ليقول مقولته المبدعة ببصمة تمتلك بقوة الشعر خصوصيتها " الاملاق رجل ، سأشهر قلمي وأقتله "
= مدخل الصورة ونقصد به استلهام الشاعر لمشهد تاريخي مارسته المرأة و هي تعضد حركية الرجل في حروبه القديمة دعما معنويا وماديا ، ليقول " وأدعو النسوة ، لينشدن بالدفوف ، معركة العزوف ، عن حب الرياء ، لنفرش أوراق الخريف " ... إحالة على قولهن القديم " ونفرش النمارق "
2 - بنية المقول الحواري الفني : انخرط فيها مع التراث الفني " سَيَذْكُرُنـي قـومـي إذا جَــدَّ جِـدُّهُـمْ ، = وفــي اللّيـلـةِ الظَّلْـمـاءِ يُفْتَـقَـدُ الـبَـدْرُ- للشاعر العباسي أبي فراس الحمداني " ... قال الشاعر : " أبتاع كفنا ، أخيطه بعيدا عن الفقهاء ، وأزفني نديما
في الليلة الظلماء ، يوم يفتقد البدر "
3 - بنية المقول الحواري المعاصر : هنا يمكن القول إن الشاعر لا يكرر ذواتٍ أخرى بقدر ما يتفاعل مع الحساسية الشعرية الحداثية في انسرابها داخل نسغ الابداع دون استشارة ودون نسخ حرفي بليد ، انظروا إلى قوله المجتهد اجتهادا ماضيا حتى لا يقع التشابه " لنفرش اوراق الخريف كفناً منتصبا للواتي تخردلن وسط الدقيق " إيحاء برائعة سميح القاسم " منتصب القامة أمشي " والذي يؤكد مذهبي في القول ، هو قصيدة أخرى للشاعر الملواني عنونها ب " لن اشارك في مأدبة اللئام " حيث أشار بصريح اللفظ الى النص المستلهم وإلى صاحبه سميح القاسم
4 - بنية المقول التأسيسي : ونقصد به بنيات الابداع الشعري الموسومة بأصالة الشاعر وهو ما يمثل صلب العملية الابداعية والنواة المالكة لزمام النص ، والتي يعبّر عنها في أدبيات تحليل الخطاب بسلطة النص .
القصيدة عند محمد الملواني ليست أنساقاً مغلَقة على ذاتها ، وقوّتُها في اعترافها بالنصوص المحاوَرَة ، وفي اغترافها من النصوص المحَاوَرة أيضا ... وفي جدلية الاعتراف والاغتراف تنبع حقيقة الابداع سويّة لا تدّعي الكمالَ خارج أنساق التّفاعل وبالتالي فكونها تمتح من هذا النص أو ذاك ، لا يفسّرُ بحاجتها و افتقارها لمادة النص ، بل يفسّرُ وفقط بقدرتها على التفاعل الثقافي الحضاري العابر للأزمنة والمادّ لجسور التواصل مع الماضي والحاضر
...
نون حاء
انظر النص للشاعر محمد الملواني :
لن أطلب من أمي رغيفا
اختنقت حروفي وسط العجين
فصدحت القصيدة
ولكن الروي أسكنه المد
سكنت بيتا
مطلعه تصريع
فردد النذير
زغرودة الشهيدات
بلسان الجوع
بلسان الظمإ
ألفتك ياوطني
عشقتك يا وطني
فمالك تهديني هذه الندوب
أما كفتك تجاعيد الزمن؟
الأحبة يتساقطون
الأحبة يتهاوون
الإملاق رجل
سأشهر قلمي وأقتله
وأدعو النسوة
لينشدن بالدفوف
معركة العزوف عن حب الرياء
لنفرش أوراق الخريف
كفنا منتصبا
لللواتي تخردلن وسط الدقيق
دقيق المهانة
كيف أطلب من أمي بعد اليوم رغيفا؟
زيت العجين مخضب بالدماء
أبتاع كفنا
أخيطه بعيدا عن الفقهاء
وأزفني نديما في الليلة الظلماء
يوم يفتقد البدر
يصبح فراش الاعراس كابوسا
ليلا تغول في رفاة البؤساء
أسطورة نرويها
لمن عجينهن خميرته الأولياء
يا أمي إياك والعجين
طهري يديك
تيممي إن منعوك

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق