رحلة مع الأصوات الشعرية النسائية المغربية
فتيحة المير 2
تـوطــئـــــــــــــــة
هل من السهل على شعراء هذا الجيل كتابة القصيدة العمودية (المعربة=فصيح أو الملحونة =زجل) ؟ سؤال تبادر للذهن أمام هذا الكم الهائل من الكتابات ( الشعرية ؟) المتمردة على الشكل التقليدي. قد تكون لدى البعض مبررات معقولة و مقبولة، لكنها عند الكثيرين يكون العجز و التردي المعرفي و التكويني بل و حتى غياب الموهبة الحقيقية وراء إعطاء الظهر للقصيدة التقليدية في شقيها . و القصيدة ليست مقرفة بالشكل الذي يجعل المتلقي يهرب منها و بالتالي تدفع بالمبدع للبحث عن صيغ إبداعية بديلة . كما أن هذه القصيدة ليست بالمتخلفة حتى يلفظها و ينأى عنها الشعراء المعاصرون ، و أركز على المعاصرين و هم ليسوا بالضرورة حداثيون .. هو موضوع يحتاج لدراسة خاصة تخوض في هذا البئر الذي يبدو عميقا و يكاد الدارسون الإحجام عن النزول إليه مخافة الغرق في وحله .
مناسبة هذه التوطئة قصيدة الشاعرة فتيحة المير . هذه الشاعرة التي اختارت امتطاء صهوة هذا الفرس الحرون لتروضه . ليس سهلا الكتابة في القصيدة العمودية ، فهو ركوب الصعب . صحيح بعض الذين يقتحمون هذا المضمار و يكتبون فيه تأتي قصائدهم بلا روح فتبدو كجسم محنط جامد لا حياة فيه . لكن الشاعرة هنا تركب هذا التحدي على مستويات متعددة . أولاها الإخلاص للوزن الذي اختارته من بين بحور الشعر العربي المعروفة ، ثانيها اختيارها لقافية صعبة قلما كتب فيها الشعراء ، ثالثها قدرتها على تطويع لغة قد تبدو مستعصية ، لكنها أدت المطلوب منها في انسجام مع النص ككل . ومثلما أبدعت الشاعرة في النص الملحوني ( الزجلي ) كما قدمت في قراءتي الأولى لقصيدتها ( كون سبع و كولني) فإني أجزم بتفوقها في النص المعرب ( الفصيح) ==بوح الروح== مع الإشارة أن هذا انص كتب سنة 1998 ، أي أن الشاعرة متمرسة بهذه الكتابة منذ أكثر عقدين من الزمن و عليه فهي تعرف الميدان و عندما تمطي صهوة هذا الفرس العنيد على دراية به .
المتن الشعري
بـــــــــــــوح الـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوح
يا مـن قضيت الدهـر لــي عاشقـــا <<<<< قــلـب التـمـلــي ما صبا صادقـا
مـا كـان إلا قـــــالــبــا فـارغـــــا<<<<< مـا ظـنـه قــــــلبـي غـدا عـالـــقا
ما خنتني يومــا ؟! بلــى خـنتـــهـا <<<<<< طورا أحاسيسي أيا مالقـــــــا
لــم تهومني غير خصــر قــويــــ <<<<<<< ـم بات ما بين اللقى بائقــــــــا
ما همك الغــل الكـئـيـب الصـــدى <<<<<<<< أو هالك الهم ذْ سرى ماحقــا
حـب التــبـاهـي فاق كل الـهوى<<<<<<<<< نعش العناكيب انطوى خانقا
وغـي الرحـى أنـات قلبــي و ذا<<<<<<<<< الدمع اغتدى كالسيل ,لي آبقا
هيدت أحلامي طمست الوفــــــــا <<<<<<<< علقت بوحي في الدجى غارقا
ألجمـت حرفي ذا شموخي هـوى <<<<<<< مـن قـمّـة انكسـاره خـافـقـــــــــا
هزلـت روحي ذا طمـوحي غوى<<<<<<<<<< جلت جراحي طودي الحالقا
طيف أنا في هـيـف الأنا مفحــم <<<<<<<<< و النظم قــد روضـتــه سـابقــــا
صه فهو وجدي لوعتي موطنــي <<<<<<<< أيــان تـمـســي بـيـنـنــا عائـقـــــا
أيان قـيــد الــوكــس لـــي آســـر <<<<<<<<< لا عاش قلبـي مجــبــرا لاحـقـا
بالله هل يومـا بـصــرت امــــرءا <<<<<<<<< من غير سلوى روحـه, نـاطـقا
البــنــــــــــــــــــــــاء
القصيدة امتطت مركب البحر السريع ، ربما عن وعي أودونه ، و لكنه جاء منسجما مع روحها . و التي تتطلب هذا البحر لأنه يعطي للشاعرة انسيابية و تدفقا دون تكلف . و البحر السريع بتفعيلاته الثلاث ( مستفعلن مستفعلن فاعلن ) يمنح إيقاعا موسيقيا خفيفا أجمل من بحري الرجز و الهجز بل يتفوق عليهما في إعطاء رصانة أكثر للنص الشعري ..و الجميل في النص أن الشاعرة – ربما بفطرتها و تكوينها – لم تسقط في الزحاف و العلل التي قد تخلل البحر حين يكون الشاعر مضطرا لذلك ... على مستوى القافية اختارت الشاعرة قافية بروي له خصوصية متفردة بين حروف اللغة العربية بقوته و هو حرف القاف .حرف يدخل ضمن الحروف الانفجارية و هو يخرج من آخر الحنك أي من قعر اللسان بمسافة قليلة و هي خاصية صوتية أخرى ينفرد بها هذا الحرف (القاف) الذي اتخذته الشاعرة رويا لقافيتها مع ألف الإشباع . إن هذه الجزئيات مهمة في بناء القصيدة العمودية خصوصا والقصيدة عموما . لأنها تعطيها جرسا و قوة .
اللـــــغــــــــــــــــــــــــــــــــة
كما سنرى من خلال التعامل مع المضمون ، لغة القصيدة رصينة تنم عن معجم لغوي خصب موحي تمتاز به الشاعرة و يستجيب للفكرة المحورية التي ترومها من خلال النص . فاللغة هنا لا توغل في التعقيد بل تصر على المتانة التي تعطي المدلول الحقيقي للمتوخى دون غلو .. و دون السقوط في المبتذل .
التــحــلــيــــــــــــــــــــــــــــــل
الفكرة المحورية التي تنطلق منها الشاعرة – في تصوري – هي ذاك السمو بالذات في مواجهة الآخر الذي لا يعيش إلا غروره الذكوري الخاص .....هو صوت الأنثى الذي يتمرد على كل رغبة للمس بالكبرياء مهما يكن مصدره ..
و النص تغلب عليه الجمل الاسمية التي تحيل على هذا الامتداد الأفقي دون اهتزاز ، إضافة إلى التأكيد على الفعل الماضي دلالة على نهاية زمن . وأن هذا الذكــر المغرور بأنانيته كان مــــاض ، و دفن هو نفسه مع هذا الماضي المنقطع .
القصيدة تشكل وحدة عضوية متماسكة ، إذ يصعب تقطيعها إلى وحدات . و إن كان الجزء الأول منها يشترك في خاصية النفي ، و الذي لا يأخذ منحى واحدا بل يسلك أبعادا و ظلالا للوحة واحدة تعددت ألوانها .
يتأخر النفي في البيت الأول لتبدأ الشاعرة بالنداء .. لكن مضمون هذا النداء كأني به استفهام غير مباشر و غير صريح أو قل هو استفزاز للمنادى عليه ، ليصفع بالجواب في الشطر الثاني من نفس البيت من خلال النفي . هذا الذكر الذي قضى دهرا من عمره يمثل العشق ، انكشف أمره ، و أن حبه هذا ما كان صادقا . ليتناسل النفي بعد ذلك ... هذا الحب لم يكن غير هيكل أجوف . لتردف عليه الشاعرة باستفهام إنكاري يؤكد على الخيانة من طرف هذا الذكر المغرور . و الذي تعرى تملقه المفضوح . فالحب الذي يدعيه ، لم يكن إلا رغبة شهوانية (الخصر القويم) أما الروح و المشاعر فما همته . لم يكلف نفسه ملامسة ألم هذه الأنثى ، و لا هاله كيف يسري هذا الألم في روحها يسحقها سحقا . من خلال النفي المتوالي تعري الشاعرة / الأنثى أنانية هذا الذكر ...، تعري قناعه المكشوف الذي طالما اختبأ خلفه.إذ تواجهه بمرارة بحقيقته ، بغروره ، بتباهيه المزيف المفضوح . و الذي أضحى خيوطا عنكبوتية خادعة في وهنها لكنها خانقة للروح قبل الجسد . إلا أن ألم القلب و رجات صداه مثل رغي الرحى و هي تطحن بصوت خشن هادر فتسربل الأنين دمعا منسكبا مدرارا. هذه الجمل الاسمية المتلاحقة تدل على الامتداد الأفقي كما أسلفت و في الآن نفسه تحيل على الثبات و التوقف و الجمود .. . الثبات على الموقف من الأنثى و التوقف عن استمرار النفاق ، و جمود المسار بل توقفه . لتنطلق بعد ذلك الجمل الفعلية بزمنها الماضوي الممتد إلى لحظة الكتابة / التمرد.
تبدأ مخاطبة الآخر الشاعرة بفعل (هيدت) كان يمكنها اختيار فعل أفزعت ، حطمت .. أو أي فعل شئت ينحو نحو نفس المعنى ، لكنها اختارت فعل (هيد) –بتشديد الياء- الذي يجمع كل المعاني السابقة و يعطي من خلال حرف الهاء هذا الإحساس النابع من العمق و الذي يجسد عمق الدمار الذي أحدثه هذا الآخر . و تتوالى الأفعال الماضوية في جمل قصيرة متناغمة بعيدا عن الحشو الذي يفرضه البحر السريع (ألجمت ...طمست.... علقت ...) هذا التوالي ينم عن أحداث متقاربة متسارعة كلها تدفع نحو الانسلاخ عن هذا الوهم الذي جعل من بوح الأنثى كغارق في بحر لجي شديد الظلمة (الدجى).
بعد هذا البيت تعطي الشاعرة لنفسها إيقاعا آخر أكثر هدوءا .و كأنها تحاول الاستراحة و اخذ نفس بعد الإجهاد (توالي الأفعال في جمل قصيرة ) لتفسح لنفسها بعضا من الراحة . تبدأ البيت بفعل و تمــدد مساره على طوله ( ألجمت حرفي) حالة اختناق ، الحرف موجود و الصرخة حية لكنها مخنوقة ،ملجمة .ليأتي بعد ذلك الإشارة بلا هاء التنبيه ، جمالية لكن في نفس الآن إشارة للقرب الزمني و المكاني . هوى الشموخ ، بأي شكل يهوي منكسرا من قمته و خافقا ..؟؟؟ وعلى نفس المنوال يأتي البيت الذي يليه .أكثر لوعة و حرقة (هزلت روحي) دائما مخاطبة الآخر . فعل الماضي مع تاء المخاطب . فكيف تهزل الروح ؟؟؟
ألم حاد ..تعيشه هذه الروح المخدوعة .و خاب طموح هذه الأنثى (غوى) مع انكشاف جراحها ..التي هي كالجبل المرتفع المهيب ..أضحى مشرعا بالجراحات المؤلمة . لتعود الشاعرة للجملة الاسمية ،و تصف حالتها كحلم رخو (طيف) لكنه في ريح حارة نكباء (في هيف) تكاد تذيبه .
وتنتفض الشاعرة بسرعة كاستفاقة من كان في غيبوبة ، من خلال اسم فعل الأمر ( صه) و هو أكثر بلاغة و دلالة من فعل الأمر (اسكت أو اخرس) إضافة إلى الحفاظ على التفعلة صحيحة دون إخلال ..إذ (صه)فيه حركة و سكون ، في حين أن كلا من (اسكت أو اخرس)فيه سكون و حركة ثم سكون هناك جمالية فعل الأمر عند ارتداده في السمع .
تواجه الشاعرة هذا الآخر باسم فعل الأمر هذا المغرور الأناني ، تحتفظ بحزنها الكبير ، باحتراقها (وجدي ، لوعتي) في مواجهة أي تفكير من الآخر في العودة أو الاستمرار في ممارسة النفاق المفضوح . فهذا السلوك أو العلاقة المريضة من الآخر مرفوضة و سيظل حاجزا (بيننا عائقا)
و تختم الشاعرة ببيتين فيهما الحسم النهائي فقيد الخسارة الإحباط (الوكس) يأسرها .و هي بذلك ترفض هذا الوضع المريض ، تنتفض عليه تقسم بالموت على قلبها إن رضي بالعيش مجبرا في ظل هذه العلاقة غير المتكافئة بين الوفاء من جهة يقابلها النفاق المقرف من الآخر ( لاعاش قلبي مجبرا لاحقا). فتصالح الشاعرة مع روحها أجدى من أي شيء آخر .
الشاعرية حالة وجدانية و انسجام مع الروح لأبعد مدى ،و كل اهتزاز في هذه العلاقة شرخ في النفس الشاعرية . لذلك فالشاعرة فتيحة المير تتمسك بهذا التصالح المتماهي مع الروح . لأن الإنسان ، إنسان بروحه أكثر من مجرد جسد .
تلكم فتيحة المير في ركوبها الصعب و الناجح في الآن ذاته صهوة القصيدة العمودية ، و ذاك تمردها الأنثوي الشامخ على النفاق و حالات الانكسار و التردي عبد العزيز حنان
الدار البيضاء في 2014/11/27

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق