الأديبة المغربية رشيدة الأنصاري في ديوانها الشعري ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) :
حقيبة شعر و غربة و انتظار
حقيبة شعر و غربة و انتظار
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي
---------------------
الفصل الأول
----------------------
برولوغ :
-------------
رشيدة الأنصاري الزاكي كاتبة متمردة ، ان سكتت دهرا فلكي تكتب فكرا ، تحكي بمرارة ، طفولتها المتعبة ، فتفتح حقيبتها لتخرج منها كل أنواع النوستالجيا لزمن ولى بما له و بما عليه ، هي كذلك كاتبة حزينة تكويها الغربة بنيرانها و يؤججها البعد عن الوطن و الحنين لأمها ( الزاكي ) و عن تصميم قررت شاعرتنا إضافة اسم الوالدة لاسمها ليلازمها في حياتها ، و هكذا سيصبح الاسم ثلاثيا : ( رشيدة الأنصاري الزاكي ) ...
هي كاتبة تكتب في عدة أجناس أدبية ( الشعر ، النثر ، القصة ، الرواية ... ) .
---------------------------------------------------------------------------------------------
في الإصدار :
---------------
صدر للأديبة المغربية رشيدة الأنصاري الزاكي ديوان شعري تحت عنوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) أواخر سنة 2017 ، و هو باكورة اصداراتها الأدبية ، و يضم الديوان 19 قصيدة ، و يغلب على عناوين قصائد هذا الديوان الانتظار و الغياب و الحنين كما نلاحظ في هذه العناوين : ( لعنة فؤاد ، صمت الرحيل ، على رصيف الانتظار ، وحيدة الأحلام ، أنثى الغياب ، صكوك الانتظار ، لون الانتظار ، ارحلي ... ) ...
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الغلاف :
--------
غلاف جميل و أنيق ، يظهر فيه ظهرأنثى و هي مرتدية السواد ، تجر حقيبتها السوداء ، كل شيء أسود باستثناء حذائها الرياضي الأبيض ، و يبقى الأبيض رمز الأمل رغم مرارة الغربة و الهجرة و البعد عن الوطن ، و الملاحظ أنه رغم طغيان اللون الأسود على الغلاف فالكتابة جاءت بالأبيض : ( شعر ، رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... رشيدة الأنصاري الزاكي ) ، بياض الكتابة أعاد الأمل لرحلة السفر و الهجرة و الغياب ...
الغلاف الأخير توجد به في الأعلى صورة شخصية للشاعرة رشيدة و هي غارقة في بحار تأملها ، و تكتب ما يلي :
( يلبسني الرحيل عباءة ...
يا لتفاهة الأيام
تأكلني متاهاتي
تتهاوى حشرجتي
على ناصية الليل
كغيمة ممزقة
يصعب رتقها
على أعتاب الغياب ... )
انه اذن الرحيل و الغياب معا يمتزجان في فكر و ذات الشاعرة التي تأتي قصائدها موشومة بهما ، فيسكنها صوت الحنين للوطن رغم مرارة الذكريات ...
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
العنوان :
--------
( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ) عنوان رومانسي و حزين ، فتلخص لنا الشاعرة رحلتها الشاقة في غربة قاتلة لذات شاعرة متعبة و منهكة بالأهوال و الآلام ، رحلة فكر و عمر رأسمالها الغياب و الانتظار : غياب الأحبة و الأمكنة الجميلة و الوطن و انتظار القادم المجهول ، هو عنوان حزين تلخصه لنا الشاعرة في الصفحة رقم 1 قائلة : ( قبل اليوم ، ما كنت أظن أنني سأكتب الا بعد أن يندمل جرح الذاكرة ، و بعد أن أشفى مني و من ذكرياتي .... ) .
و كخلاصة بطعم الحكمة ، تختم ديوانها قائلة في الصفحة 100 : ( دعوني هكذا الى أن أموت عشقا ، يغسلني يتيم و يكفنني فقير ، و تبكي علي أرملة غض الطرف عنها مجتمع يعتبر الترمل بلاء يحل بضعاف الإرادة و أراذل القوم ، و يحملونني على لحد مهمش لأصل الى قبري بثوب الشعر و خربشاتي . ) ....
----------------------------------------------------------------------
الاهداء :
--------
جاء الاهداء الى الأبناء ( سارة و عبد الصمد ) اللذين يشبهان الشاعرة في التحدي و مواصلة المشوار ، و كذلك الى والدها عبد الرحمن الأنصاري نبراسها و مثلها في الحياة و الى أمها الكبيرة الزاكي : ( التي سيرافقني اسمها بعد مماتها بعدما رافقني غيابها في حياتي ... الصفحة 3 ) والى الأخ و الصديق امحمد قدور صوفي الذي دعم تجربتها ....
--------------------------------------------------------------------------
الفصل الثاني
-----------------------
الوجع و الطفولة و الحنين :
--------------------------------
رشيدة الأنصاري الزاكي ، سيدة المواجع بامتياز ، ففي كل قصائدها هناك وجع و حنين و استحضار لطفولة شقية ، و في قصيدة ( حقائبي و القدر ) تتجمع كل المواجع دفعة واحدة ، فيتم استحضار الماضي بآلامه و أحزانه :
( ... أذكر ...
كانت أمي نائمة
و أنا أغادر في الصغر
كان صمت أبي
ينطق بلسان الحكمة و العبر
في حقيبتي قميص أسود
و حلم بريء مندحر الصفحة 8 و 9 )
أما في قصيدة ( قد لا نموت أبدا ) ، فتلخص لنا الذات الشاعرة المفعمة بالتجارب و الحكم تساؤلات عميقة قد لا نجد لها جوابا :
( قد لا نموت أبدا
فنحن لم نولد بعد
أم أننا ولدنا
ذات فجر
زغاريد العذارى
تشيع جنازتنا الصقحة 36 )
و تواصل بتفلسف :
( قد لا نموت أبدا
فنحن أموات
نمشي على حواف الأيام الصفحة 37 )
فتتذكر الطفلة الساكنة ذاتها و جوارحها و أحاسيسها :
( ضاعت الطفلة التي بكت
يوم ركبت
صهوة النسيان الصفحة 38 )
لكن الذات الشاعرة تعترف بقوة :
( أنا لم أغادر
حدادي
قهوتي
و تلك حقيبتي
لا يزال فيها
عقدك
صوتك
عطرك
لمساتك
و حفنة من
الزيتون
و التراب ... الصفحة 39 و 40 )
أما في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) ، فهو اعتراف صريح لمنبع الحب : الأم و حاجة الذات الشاعرة لها و لحنانها و حبها :
( ما أحوجني اليك
عندما كان
الصقيع يلفح وجهي
وسط الغمام
و الكلاب المسعورة تأكل
مني العظام ... الصفحة 13 )
و كذلك :
( ما أحوجني اليك
عندما سرقوا معطفي
حقيبة أحلامي
و أنا طفل يبكي
يصارع ألم الفطام .... الصفحة 13 و 14 )
و مع هذا فهي متشبتة بالأمل :
( سأظل أحبك
سيدتي
و ان ضاع العمر فيك
حين لطمت
ما فيه من أحلام ... الصفحة 15 )
----------------------------------------------------------------------------------
العشق :
-------
هو عشق المتأمل للحياة ، الإنساني ، الكوني ، الفيلسوف الباحث عن أجوبة الضياء و البهاء ، فالذات العاشقة أبية ، ففي قصيدة ( على رصيف الانتظار ) تقول :
( أيها الغائب
في مقبرة قلبي المنسية
القابع بين الأضلع
النائم في سراديب
هذياني ...
هل لك أن تلملم
ضجيج الحواس ؟ الصفحة 41 )
و متشبتة بالانتظار :
( ولأني لا أجيد غير الانتظار ...
سأنتظرك
أمام مرآة
عارية المرآة أمامي الا منك الصفحة 43 )
أما في قصيدة ( أنثى الغياب ) ، فالذات العاشقة صريحة و واضحة تعترف بعشقها ، لأن العشق جنون :
( أنت العذراء وأنا
المتيم
العاشق
الأهبل الصفحة 53 )
و كذلك :
( في خضم الصراع
أهرب مني اليك
أنغمس فيك
أنسى الوجود الصفحة 54 )
------------------------------------------------------------------------
الغربة الدائمة :
---------------
هي غربة الذات في بلدان غريبة المنبع و العادات و التقاليد و العقليات و العيش خارج منطوق الزمن و الاحتكاك بالآخر و حضارته ، و تتحدث الذات الشاعرة عن نفسها في قصيدة ( أنا و أنا ) بتفلسف :
( في منتصف الحزن
التقينا
أنا و أنا
دخلنا مقهى الأيام
على طاولة الحقيقة
جلسنا الصفحة 93 )
و عبر أقنعة نرجس الأنانية تقول :
( قال الفؤاد :
آه يا معشوقتي
كم أحبك يا أنا
أنا يا أنا ... الصفحة 95 )
أما في قصيدة ( مسرحية الزمان ) فتعترف :
( مهلا مهلا
زحف الأيام
فأنا لست أنا
تعب الدهر مني
و الزمان ليس الزمان الصقفحة 32 )
تختلط المشاعر الصادقة ، تختلط بالغربة و الحنين و الاشتياق للوطن :
( أيها الانسان ...
كابوس حلم
خيال جنون
يلبسني الهذيان
هي سخرية الأوطان
في مسرحية الزمان ... الصفحة 35 )
---------------------------------------------------------------------------
الربيع العربي و خواء السياسة :
----------------------------------
تعيش شاعرتنا رشيدة الأنصاري الزاكي الأحداث العربية من مآسي و صراعات و اقتتال و ظلم ، فتكتب عن هذه الأوضاع المأساوية ، و ذلك ما نجده في قصيدة ( حروف لم تكتب القصيد ) ، حيث تقول :
( تلك كانت
حروف قصيدة
تاهت بين هتافات
الكادحين
المشردين
الضائعين ...
جاءها يوم
عملاق صمت
أخرس اللسان
قطع حبال البوح
في حناجر ميلاد الربيع الصفحة 23 )
و تواصل قائلة :
( مات الحرف في الطريق
قبل أن
يكتب نهاية حلم
بحبر الحرية
و أمجاد الأجداد الصفحة 25 )
و كذلك :
( هدر المداد في
ساحات الاعتصام
ثار غبار الطرقات
تداخلت الهتافات ... الصفحة 26 )
و أيضا :
( هاج بحر النجاة
و مات الهاربون غرقا
قبل أن يعانقوا الروم
و كنائس الغزاة الصفحة 26 )
و لا تنسى شاعرتنا الطفل السوري الغريق ، فتتحدث عن هذه التراجيديا في قصيدة ( أهازيج السماء ) قائلة :
( كم أنت قليل الحياء
أيها الزمن
تطرز أحلام الأطفال
بدم الميلاد
غضب القمر
بين الغيوم الصفحة 27 )
و تواصل سرد هذه التراجيديا العربية قائلة :
( بين المد و الجزر
هو قبر الأطفال
شبع الحوت
لحما طريا
عمره حفنة أيام
قذفهم على شواطئ
و تفضح المسكوت عنه بجرأة :
( عويل النساء
واحرقتاه
ندوب الليالي
ثكالى
يبكون شبابا ركبوا
عباب الموت
خوفا من بطش السباع
و أنياب الجالسين على
عروش البلاد و العباد ... الصفحة 29 )
و بأسى :
( يستقبل هلال
العيد ... عيد
مبتورة أطرافه
على موائد الأرامل
و الأيتام الصفحة 31 )
----------------------------------------------------------------------------------------------
كلمات و دلالات :
---------------------
( انتظار ، حقيبة ، غربة ، رحيل و غياب ) ، هي كلمات تتردد كثيرا في ديوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) ، و هي كلمات نابعة من قاموس الغربة و الذكريات الحزينة و الآلام ...
الانتظار يأتي في عدة عناوين القصائد ( على رصيف الانتظار ، صكوك الانتظار ، لون الانتظار ) ، انه انتظار الانتظار ، تقول في قصيدة ( على رصيف الانتظار ) :
( و كعادته الانتظار
يؤوس
كفور
ظلوم
أتى ... و أنت لم تأت الصفحة 42 )
و تواصل في نفس القصيدة :
( وحيدة أعانق رعب الفراغ
و شبح طيف ينبش ذاكرتي
أعلق على صدري
حكاياتي
كل القصيد
و أحكي لليل انتظاري ... الصفحة 45 )
بينما في قصيدة ( وحيدة الأحلام ) تناجي الذات العاشقة نفسها قائلة :
( هكذا ...
أرادني الله
وحيدة الغياب
وحيدة الأحلام
وحيدة على
باب الانتظار الصفحة 46 )
و في قصيدة ( صكوك الانتظار ) تقول :
( ألفت الانتظار
ألفت الغثيان ... )
و تواصل بطعم الانتظار في قصيدة ( لون الانتظار ) :
( أجلس
ألقن ألواني
درسا في الانتظار الصفحة 80 )
الغياب و الرحيل كذلك يسريان في عروق الشاعرة رشيدة الأنصاري الزاكي ، فهي المهاجرة المكتوية بطعمهما ، و لهذا تخصص للغياب و الرحيل عدة عناوين : ( مت الرحيل ، أنثى الغياب ، ارحلي ) ...
تقول في قصيدة ( حقائبي و القدر ) :
( الدرب طويل أمامي مظلم
و سمائي أفل عنها القمرها أنت نمت
وأنت تقولين : ارحلي الصفحة 12 )
في قصيدة ( مسرحية الزمان ) ، يأخذ الرحيل أبعاد الهجرة و ويلاتها :
( وحدي أنا المهاجر
باعتني قافلتي
بقايا انسان ... الصفحة 34 )
أما في قصيدة ( وحيدة الأحلام ) فتقول :
( و أنا ؟
في هذا الزمن الرخيص
سبية واحدة
يفترسني الشوق من
كل جنباتي
تلهث تنهداتي
يستخف بآهاتي ...
في
ساحة الانتظار الكافر
طريق الغياب الجاحد ... الصفحة 49 )
الحقيبة ، جزء من شخصية الأديبة رشيدة الأنصاري الزاكي ، فهي ترافقها في كل مكلن و زمان ، هي حقيبة سفر و بمثابة منديل أم كلثوم الذي لم يكن يفارقها ، و حقيبة السفر تلازم كينونة الشاعرة ، حيث خصصت لها عنوانا كبيرا : ( حقائبي و القدر ) ، فعلا حقائبها تلازمها كما يلازمها القدر بخيره و شره :
( في حقيبتي قميص أسود
و حلم بريء مندحر
حفنة دعوات
لم تخترق السحاب
و سماء القدر الصفحة 9 )
بينما في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) ، تشرح لنا هول الفراق :
( ما أحوجني اليك
عندما سرقوا معطفي
حقيبة أحلامي الصفحة 13 و 14 )
في غمرة العشق تهتف الذات العاشقة معترفة بأهمية الحقيبة قائلة :
( كل ليلة
يبكيني أفول الفجر
يأخذه مني ...
أخبئه بين
بين ظفائري
في قاع حقيبتي الصفحة 74 و 75 )
الغربة قاتلة ، و من يعيش في وطن الآخرين غريب ، و هكذا تحدثنا الذات الشاعرة المتأملة عن طريق الغربة و ذلك في قصيدة ( حقائبي و القدر ) قائلة :
( ركبت حافلتي فجرا
بدعاء و كلام مختصر الصفحة 9 )
و تواصل :
( رميت الكلام بين أمواج بحر
على شط الصمت انكسر
تقطعت حبال صوتي
في قلب من الهم انفطر الصفحة 10 )
و نفس الشيء نلمسه في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) اذ تقول :
( ا أحوجني اليك
عندما كنت في الدرب وحيدا
يخنقني الظلام ...
و تاه طيفك مني
وسط الزحام ... الصفحة 13 )
--------------------------------------------------------------------------------------
خاتمة :
------------
يبقى ديوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) أول مولود ابداعي للأديبة المغربية رشيدة الأنصاري الزاكي بعد تجربة أدبية ناجحة عبر نشر انتاجها الأدبي في جرائد و مجلات الكترونية فايسبوك و غيرها ، و سننتظر بشوق روايتها القادمة ، و أكيد أن رشيدة الأنصاري الزاكي – كما عرفها القراء دائما – من النوع الذي يشتغل بتمهل و تمعن ، و تتوخى أن يكون انتاجها الأدبي له قيمة مضافة ، و هذا ما نلاحظه في ديوانها هذا ، حيث أبدعت و أمتعت ، عانت فكتبت ، أرخت للحظات الجميلة و غيرها بأسلوب سهل لكنه عميق .. كانت في مستوى الأحداث و التقطت بحسها الشاعري كل المظاهر و خلدتها عبر قصائدها العميقة ...
-------------------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي – المغرب
مجدالدين سعودي
---------------------
الفصل الأول
----------------------
برولوغ :
-------------
رشيدة الأنصاري الزاكي كاتبة متمردة ، ان سكتت دهرا فلكي تكتب فكرا ، تحكي بمرارة ، طفولتها المتعبة ، فتفتح حقيبتها لتخرج منها كل أنواع النوستالجيا لزمن ولى بما له و بما عليه ، هي كذلك كاتبة حزينة تكويها الغربة بنيرانها و يؤججها البعد عن الوطن و الحنين لأمها ( الزاكي ) و عن تصميم قررت شاعرتنا إضافة اسم الوالدة لاسمها ليلازمها في حياتها ، و هكذا سيصبح الاسم ثلاثيا : ( رشيدة الأنصاري الزاكي ) ...
هي كاتبة تكتب في عدة أجناس أدبية ( الشعر ، النثر ، القصة ، الرواية ... ) .
---------------------------------------------------------------------------------------------
في الإصدار :
---------------
صدر للأديبة المغربية رشيدة الأنصاري الزاكي ديوان شعري تحت عنوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) أواخر سنة 2017 ، و هو باكورة اصداراتها الأدبية ، و يضم الديوان 19 قصيدة ، و يغلب على عناوين قصائد هذا الديوان الانتظار و الغياب و الحنين كما نلاحظ في هذه العناوين : ( لعنة فؤاد ، صمت الرحيل ، على رصيف الانتظار ، وحيدة الأحلام ، أنثى الغياب ، صكوك الانتظار ، لون الانتظار ، ارحلي ... ) ...
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الغلاف :
--------
غلاف جميل و أنيق ، يظهر فيه ظهرأنثى و هي مرتدية السواد ، تجر حقيبتها السوداء ، كل شيء أسود باستثناء حذائها الرياضي الأبيض ، و يبقى الأبيض رمز الأمل رغم مرارة الغربة و الهجرة و البعد عن الوطن ، و الملاحظ أنه رغم طغيان اللون الأسود على الغلاف فالكتابة جاءت بالأبيض : ( شعر ، رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... رشيدة الأنصاري الزاكي ) ، بياض الكتابة أعاد الأمل لرحلة السفر و الهجرة و الغياب ...
الغلاف الأخير توجد به في الأعلى صورة شخصية للشاعرة رشيدة و هي غارقة في بحار تأملها ، و تكتب ما يلي :
( يلبسني الرحيل عباءة ...
يا لتفاهة الأيام
تأكلني متاهاتي
تتهاوى حشرجتي
على ناصية الليل
كغيمة ممزقة
يصعب رتقها
على أعتاب الغياب ... )
انه اذن الرحيل و الغياب معا يمتزجان في فكر و ذات الشاعرة التي تأتي قصائدها موشومة بهما ، فيسكنها صوت الحنين للوطن رغم مرارة الذكريات ...
-----------------------------------------------------------------------------------------------------
العنوان :
--------
( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ) عنوان رومانسي و حزين ، فتلخص لنا الشاعرة رحلتها الشاقة في غربة قاتلة لذات شاعرة متعبة و منهكة بالأهوال و الآلام ، رحلة فكر و عمر رأسمالها الغياب و الانتظار : غياب الأحبة و الأمكنة الجميلة و الوطن و انتظار القادم المجهول ، هو عنوان حزين تلخصه لنا الشاعرة في الصفحة رقم 1 قائلة : ( قبل اليوم ، ما كنت أظن أنني سأكتب الا بعد أن يندمل جرح الذاكرة ، و بعد أن أشفى مني و من ذكرياتي .... ) .
و كخلاصة بطعم الحكمة ، تختم ديوانها قائلة في الصفحة 100 : ( دعوني هكذا الى أن أموت عشقا ، يغسلني يتيم و يكفنني فقير ، و تبكي علي أرملة غض الطرف عنها مجتمع يعتبر الترمل بلاء يحل بضعاف الإرادة و أراذل القوم ، و يحملونني على لحد مهمش لأصل الى قبري بثوب الشعر و خربشاتي . ) ....
----------------------------------------------------------------------
الاهداء :
--------
جاء الاهداء الى الأبناء ( سارة و عبد الصمد ) اللذين يشبهان الشاعرة في التحدي و مواصلة المشوار ، و كذلك الى والدها عبد الرحمن الأنصاري نبراسها و مثلها في الحياة و الى أمها الكبيرة الزاكي : ( التي سيرافقني اسمها بعد مماتها بعدما رافقني غيابها في حياتي ... الصفحة 3 ) والى الأخ و الصديق امحمد قدور صوفي الذي دعم تجربتها ....
--------------------------------------------------------------------------
الفصل الثاني
-----------------------
الوجع و الطفولة و الحنين :
--------------------------------
رشيدة الأنصاري الزاكي ، سيدة المواجع بامتياز ، ففي كل قصائدها هناك وجع و حنين و استحضار لطفولة شقية ، و في قصيدة ( حقائبي و القدر ) تتجمع كل المواجع دفعة واحدة ، فيتم استحضار الماضي بآلامه و أحزانه :
( ... أذكر ...
كانت أمي نائمة
و أنا أغادر في الصغر
كان صمت أبي
ينطق بلسان الحكمة و العبر
في حقيبتي قميص أسود
و حلم بريء مندحر الصفحة 8 و 9 )
أما في قصيدة ( قد لا نموت أبدا ) ، فتلخص لنا الذات الشاعرة المفعمة بالتجارب و الحكم تساؤلات عميقة قد لا نجد لها جوابا :
( قد لا نموت أبدا
فنحن لم نولد بعد
أم أننا ولدنا
ذات فجر
زغاريد العذارى
تشيع جنازتنا الصقحة 36 )
و تواصل بتفلسف :
( قد لا نموت أبدا
فنحن أموات
نمشي على حواف الأيام الصفحة 37 )
فتتذكر الطفلة الساكنة ذاتها و جوارحها و أحاسيسها :
( ضاعت الطفلة التي بكت
يوم ركبت
صهوة النسيان الصفحة 38 )
لكن الذات الشاعرة تعترف بقوة :
( أنا لم أغادر
حدادي
قهوتي
و تلك حقيبتي
لا يزال فيها
عقدك
صوتك
عطرك
لمساتك
و حفنة من
الزيتون
و التراب ... الصفحة 39 و 40 )
أما في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) ، فهو اعتراف صريح لمنبع الحب : الأم و حاجة الذات الشاعرة لها و لحنانها و حبها :
( ما أحوجني اليك
عندما كان
الصقيع يلفح وجهي
وسط الغمام
و الكلاب المسعورة تأكل
مني العظام ... الصفحة 13 )
و كذلك :
( ما أحوجني اليك
عندما سرقوا معطفي
حقيبة أحلامي
و أنا طفل يبكي
يصارع ألم الفطام .... الصفحة 13 و 14 )
و مع هذا فهي متشبتة بالأمل :
( سأظل أحبك
سيدتي
و ان ضاع العمر فيك
حين لطمت
ما فيه من أحلام ... الصفحة 15 )
----------------------------------------------------------------------------------
العشق :
-------
هو عشق المتأمل للحياة ، الإنساني ، الكوني ، الفيلسوف الباحث عن أجوبة الضياء و البهاء ، فالذات العاشقة أبية ، ففي قصيدة ( على رصيف الانتظار ) تقول :
( أيها الغائب
في مقبرة قلبي المنسية
القابع بين الأضلع
النائم في سراديب
هذياني ...
هل لك أن تلملم
ضجيج الحواس ؟ الصفحة 41 )
و متشبتة بالانتظار :
( ولأني لا أجيد غير الانتظار ...
سأنتظرك
أمام مرآة
عارية المرآة أمامي الا منك الصفحة 43 )
أما في قصيدة ( أنثى الغياب ) ، فالذات العاشقة صريحة و واضحة تعترف بعشقها ، لأن العشق جنون :
( أنت العذراء وأنا
المتيم
العاشق
الأهبل الصفحة 53 )
و كذلك :
( في خضم الصراع
أهرب مني اليك
أنغمس فيك
أنسى الوجود الصفحة 54 )
------------------------------------------------------------------------
الغربة الدائمة :
---------------
هي غربة الذات في بلدان غريبة المنبع و العادات و التقاليد و العقليات و العيش خارج منطوق الزمن و الاحتكاك بالآخر و حضارته ، و تتحدث الذات الشاعرة عن نفسها في قصيدة ( أنا و أنا ) بتفلسف :
( في منتصف الحزن
التقينا
أنا و أنا
دخلنا مقهى الأيام
على طاولة الحقيقة
جلسنا الصفحة 93 )
و عبر أقنعة نرجس الأنانية تقول :
( قال الفؤاد :
آه يا معشوقتي
كم أحبك يا أنا
أنا يا أنا ... الصفحة 95 )
أما في قصيدة ( مسرحية الزمان ) فتعترف :
( مهلا مهلا
زحف الأيام
فأنا لست أنا
تعب الدهر مني
و الزمان ليس الزمان الصقفحة 32 )
تختلط المشاعر الصادقة ، تختلط بالغربة و الحنين و الاشتياق للوطن :
( أيها الانسان ...
كابوس حلم
خيال جنون
يلبسني الهذيان
هي سخرية الأوطان
في مسرحية الزمان ... الصفحة 35 )
---------------------------------------------------------------------------
الربيع العربي و خواء السياسة :
----------------------------------
تعيش شاعرتنا رشيدة الأنصاري الزاكي الأحداث العربية من مآسي و صراعات و اقتتال و ظلم ، فتكتب عن هذه الأوضاع المأساوية ، و ذلك ما نجده في قصيدة ( حروف لم تكتب القصيد ) ، حيث تقول :
( تلك كانت
حروف قصيدة
تاهت بين هتافات
الكادحين
المشردين
الضائعين ...
جاءها يوم
عملاق صمت
أخرس اللسان
قطع حبال البوح
في حناجر ميلاد الربيع الصفحة 23 )
و تواصل قائلة :
( مات الحرف في الطريق
قبل أن
يكتب نهاية حلم
بحبر الحرية
و أمجاد الأجداد الصفحة 25 )
و كذلك :
( هدر المداد في
ساحات الاعتصام
ثار غبار الطرقات
تداخلت الهتافات ... الصفحة 26 )
و أيضا :
( هاج بحر النجاة
و مات الهاربون غرقا
قبل أن يعانقوا الروم
و كنائس الغزاة الصفحة 26 )
و لا تنسى شاعرتنا الطفل السوري الغريق ، فتتحدث عن هذه التراجيديا في قصيدة ( أهازيج السماء ) قائلة :
( كم أنت قليل الحياء
أيها الزمن
تطرز أحلام الأطفال
بدم الميلاد
غضب القمر
بين الغيوم الصفحة 27 )
و تواصل سرد هذه التراجيديا العربية قائلة :
( بين المد و الجزر
هو قبر الأطفال
شبع الحوت
لحما طريا
عمره حفنة أيام
قذفهم على شواطئ
و تفضح المسكوت عنه بجرأة :
( عويل النساء
واحرقتاه
ندوب الليالي
ثكالى
يبكون شبابا ركبوا
عباب الموت
خوفا من بطش السباع
و أنياب الجالسين على
عروش البلاد و العباد ... الصفحة 29 )
و بأسى :
( يستقبل هلال
العيد ... عيد
مبتورة أطرافه
على موائد الأرامل
و الأيتام الصفحة 31 )
----------------------------------------------------------------------------------------------
كلمات و دلالات :
---------------------
( انتظار ، حقيبة ، غربة ، رحيل و غياب ) ، هي كلمات تتردد كثيرا في ديوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) ، و هي كلمات نابعة من قاموس الغربة و الذكريات الحزينة و الآلام ...
الانتظار يأتي في عدة عناوين القصائد ( على رصيف الانتظار ، صكوك الانتظار ، لون الانتظار ) ، انه انتظار الانتظار ، تقول في قصيدة ( على رصيف الانتظار ) :
( و كعادته الانتظار
يؤوس
كفور
ظلوم
أتى ... و أنت لم تأت الصفحة 42 )
و تواصل في نفس القصيدة :
( وحيدة أعانق رعب الفراغ
و شبح طيف ينبش ذاكرتي
أعلق على صدري
حكاياتي
كل القصيد
و أحكي لليل انتظاري ... الصفحة 45 )
بينما في قصيدة ( وحيدة الأحلام ) تناجي الذات العاشقة نفسها قائلة :
( هكذا ...
أرادني الله
وحيدة الغياب
وحيدة الأحلام
وحيدة على
باب الانتظار الصفحة 46 )
و في قصيدة ( صكوك الانتظار ) تقول :
( ألفت الانتظار
ألفت الغثيان ... )
و تواصل بطعم الانتظار في قصيدة ( لون الانتظار ) :
( أجلس
ألقن ألواني
درسا في الانتظار الصفحة 80 )
الغياب و الرحيل كذلك يسريان في عروق الشاعرة رشيدة الأنصاري الزاكي ، فهي المهاجرة المكتوية بطعمهما ، و لهذا تخصص للغياب و الرحيل عدة عناوين : ( مت الرحيل ، أنثى الغياب ، ارحلي ) ...
تقول في قصيدة ( حقائبي و القدر ) :
( الدرب طويل أمامي مظلم
و سمائي أفل عنها القمرها أنت نمت
وأنت تقولين : ارحلي الصفحة 12 )
في قصيدة ( مسرحية الزمان ) ، يأخذ الرحيل أبعاد الهجرة و ويلاتها :
( وحدي أنا المهاجر
باعتني قافلتي
بقايا انسان ... الصفحة 34 )
أما في قصيدة ( وحيدة الأحلام ) فتقول :
( و أنا ؟
في هذا الزمن الرخيص
سبية واحدة
يفترسني الشوق من
كل جنباتي
تلهث تنهداتي
يستخف بآهاتي ...
في
ساحة الانتظار الكافر
طريق الغياب الجاحد ... الصفحة 49 )
الحقيبة ، جزء من شخصية الأديبة رشيدة الأنصاري الزاكي ، فهي ترافقها في كل مكلن و زمان ، هي حقيبة سفر و بمثابة منديل أم كلثوم الذي لم يكن يفارقها ، و حقيبة السفر تلازم كينونة الشاعرة ، حيث خصصت لها عنوانا كبيرا : ( حقائبي و القدر ) ، فعلا حقائبها تلازمها كما يلازمها القدر بخيره و شره :
( في حقيبتي قميص أسود
و حلم بريء مندحر
حفنة دعوات
لم تخترق السحاب
و سماء القدر الصفحة 9 )
بينما في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) ، تشرح لنا هول الفراق :
( ما أحوجني اليك
عندما سرقوا معطفي
حقيبة أحلامي الصفحة 13 و 14 )
في غمرة العشق تهتف الذات العاشقة معترفة بأهمية الحقيبة قائلة :
( كل ليلة
يبكيني أفول الفجر
يأخذه مني ...
أخبئه بين
بين ظفائري
في قاع حقيبتي الصفحة 74 و 75 )
الغربة قاتلة ، و من يعيش في وطن الآخرين غريب ، و هكذا تحدثنا الذات الشاعرة المتأملة عن طريق الغربة و ذلك في قصيدة ( حقائبي و القدر ) قائلة :
( ركبت حافلتي فجرا
بدعاء و كلام مختصر الصفحة 9 )
و تواصل :
( رميت الكلام بين أمواج بحر
على شط الصمت انكسر
تقطعت حبال صوتي
في قلب من الهم انفطر الصفحة 10 )
و نفس الشيء نلمسه في قصيدة ( ما أحوجني اليك ) اذ تقول :
( ا أحوجني اليك
عندما كنت في الدرب وحيدا
يخنقني الظلام ...
و تاه طيفك مني
وسط الزحام ... الصفحة 13 )
--------------------------------------------------------------------------------------
خاتمة :
------------
يبقى ديوان ( رحلة آه ... بين غياب و انتظار ... ) أول مولود ابداعي للأديبة المغربية رشيدة الأنصاري الزاكي بعد تجربة أدبية ناجحة عبر نشر انتاجها الأدبي في جرائد و مجلات الكترونية فايسبوك و غيرها ، و سننتظر بشوق روايتها القادمة ، و أكيد أن رشيدة الأنصاري الزاكي – كما عرفها القراء دائما – من النوع الذي يشتغل بتمهل و تمعن ، و تتوخى أن يكون انتاجها الأدبي له قيمة مضافة ، و هذا ما نلاحظه في ديوانها هذا ، حيث أبدعت و أمتعت ، عانت فكتبت ، أرخت للحظات الجميلة و غيرها بأسلوب سهل لكنه عميق .. كانت في مستوى الأحداث و التقطت بحسها الشاعري كل المظاهر و خلدتها عبر قصائدها العميقة ...
-------------------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي – المغرب


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق