musique

الأربعاء، 28 فبراير 2018

" اقرأوا لهذه المبدعة " - 2 - صاحبة المتن : Khadija Zouak

سلسلة
" اقرأوا لهذه المبدعة " - 2 -
...
المتن :
قلت للحرف 
كن وردة
سقطت أوراقي
كان الشذى ...
...
قلت للوحي
عبيرا كنت بلقاحه
سقط الندى ...
...
صاحبة المتن : Khadija Zouak
مرافقة اخرى، من زاوية نظر مغايرة عن تلك التي منها عانق صديقي نور ابو شامة حنيف مقطعا شعريا جميلا، منها روى عطشه واعاد فيه الروح ليحيى بصيغة النقد، قلت نظرة اخرى لاننا نؤمن بقوة ان قيمة القصيدة تكمن في قدرتها على اختراق الدلالة الواحدة. الاكيد ان الاختيار ليس سهلا وليس عاديا،فبمجرد التقاطي متابعة نور للشذرة الا وكان لي تأكيد قوي انه سيكون متنا قويا، طبعا لن يخيب ظني ولم يغير تصوري لاختياراته المميزة. ابو شامة هو في حد ذاته بصمة شعرية، اطلالاته ستكون بكل تأكيد مفيدة، وما معانقتي له مرجعيا الا دليل على ايماني بايجابية الاشتغال بمعيته.
عودة الى صديقتنا المبدعة، سنرى معها ان الحرف الذي هو رمز للقصيدة بشكل مصغر وللابداع بشكل عام وللحياة في مرجعية امرأة ترى العالم من زاوية نظرها، هو تصور كان في البداية شعرا، ظهر الكلام او الجمال في تأويلها للحياة وردة، هو جمال محدد باريج خاص، شاعرة حددت عمق الكتابة في متعة الورد وفي جمال اريجه، لكنها نظرة، طبعا مغايرة عن باقي الشروحات، او مختلف عن كل ماتلقطه عينها من نسائم تحول فهمها للسقوط وللهبوط ، بل تغير مجرى التحركات في ورد الشعر عندما يتحول حركة متحكم فيه بالة فريدة تتقن الشاعرة فن تحويلها كما شاء لها ذلك.تلشاعرة هنا ، بحركية خاصة، تحرج ، بل تلتقط سماء شعرها، تراه في الاول اشتراط خاص بمناداة خاصة:
قلت للحرف..
فيصبح حرفها او لفظها متحدث معه، متحرك وكائن يسمع ويرى، تحدد له قوانين اشتراطه ليكون حياة، هو حرف مشروط في مرجعيتها، بمعنى يخرج بمناداة خاصة:
كن وردة.
هي صيغة عميقة، تبدأ في شرط تجلي كلامها ليتحقق حياة، لابد من حياة الجمال كضرورة اولى ملزمة في بزوغ كلام ارادته شعرا. لم تكتف بذلك ، بل زادت من شرط انتاجها قائلة:
سقطت اوراقي
كان الشدى..
بمعنى في طلبها الاول كشرط ضروري، انتجت اوراقها شدى، ليحيى العروق في مطلب منطلق ، اشترطته نسيما فتحول كون انتاجها بلعبة جد متحكم فيها بشكل منطقي وتسلسلي. لم تقف هناك اسيرة حرفها، فهي ترى الحرف وحده غير كاف لانتاج شعر بالصيغة التي تراها الشاعرة ملائمة لتصورها في الكتابة ، الى جانب البوح لابد من الوحي ، هو الهام، جنةالكتابة ، او رسول خفي يمتمد في مساحة التحقق بين كتابة و ووحي، ترى بطلبها في مناداة اخرى :
قلت للوحي
عبيرا كنت بلقاحه
سقط الندى...
يصبح الوحي كشرط مهم لولادة معناها، مطلب اخر في شرط الانتاج ، هو احالة على توالد العبير ، وهو روح الكتابة الذي يضفي عليها ندى التجلي ، يصبح اساس الحياة في القصيدة، وعمق البوح في ولادة وردة الكتابة باريج شعري تكلمت عنه الشاعرة بعمق قوي جد مثير.
شاعرة تستحق المتابعة ، صدق صديقي نور ابوشامة عندما اخرجها من طيات الورق للاحالة على مرافقتها ومعانقة كتابتها، لانها تستحق كل تقدير. من فضلكم رافقوها وعانقوا ماتكتب لانه يستحق المتابعة.
...

سلسلة " اقرأوا لهذه المبدعة " - 2 - Khadija Zouak

Nour Abou Chama Hanif
******سلسلة
" اقرأوا لهذه المبدعة " - 2 -
...
المتن :
قلت للحرف
كن وردة
سقطت أوراقي
كان الشذى ...
...
قلت للوحي
عبيرا كنت بلقاحه
سقط الندى ...
...
صاحبة المتن : Khadija Zouak
...
قراءة عابرة :
في مساءلة الحرف ينبت التصور النقدي الصامت للحرف ... من هنا ارتأت حساسية هذه الشاعرة المفعمة بالعبق أن تحاور حرفها في قرار يصنع لذات الحرف وطنا ، و يوطّن لقراره هوية ، في عمق جليلٍ يبني الهوية من مادّة رشيقة تحلّ فيها أنساغُ الورد والشذى والندى ، عبر فعل الأمر " كنْ " وفي غير تحسّب للماسيأتي ...
السقوط ، حقل دلالي موسوم بالمباغتة الفارقة بين لحظتين ، لحظة الابداع " سقطتْ أوراقي " ولحظة الارتفاع " سقط النّدى " . إنّ مسوغ هذا الارتقاء هو ارتباط الابداع بوثوقية " الوحي " كإطارٍ متعالٍ يمدّ التشكّل الفني لهذه الذّات بالمصداقية ، ويأويه في سديم الوجود الممتاز حيث تتحول المقولات إلى أضدادها " سقط الندى " تفيد " ارتفع الندى " والمؤشّر الضامن هو مرجعية " الوحي " كمحاور غيبي غير غائب ، يختلط بشغاف الروح والبوح في اتصال جواني " مَرْيَمِيّ " ...
...
نون حاء

اقرأو لهذا الرجل

سعيد فرحاوي‎ 
****
اقرأو لهذا الرجل :
هي حلقة من المرافقات والمتابعات لشعراء شقوا لانفسهم موقعا في قلب القصيدة.
هو دعم معنوي لاعادة الاعتبار للنص المقصي.
طبعا هي فكرة اكتشفها نور ابوشامة ،
اثارتني،
فكرت ان اكون مرافقا بالصورة التي تعيد الاعتبار للنص الحقيقي.
هلموا معنا في حياة كتابة جديدة للشاعر الشاب عزالدين الشدادي صاحب ديوان (محال انكون انا.).
عْلَ باَبْ القصيدة
مَ كاينش الحرَّاس
و فِ مدينة الحروف
مَ كاينشن التفاوت الطبقي
مَ كايناش جدلية السيد والعبد
.........
حيث الحرف ،
مَ كَيرضَاشْ بالعبودية
- عزالدين الشدادي.
القصيدة تتحول جسدا، تصبح بيتا ومسكنا لشاعر لم يترك منفذا الا واستغله في فضاء كتابته لينقل المتغير في كتابة تسعى التغير.هو رجل الاختلاف في صيغة تبني نمط اسلوب يميزه.اراد ان يضع جدرانا لحروف شذرته، تصورها بيتا، وجسدها مسكنا، فكان الحراس بعيدا عن موطن سكناه، غير الحروف فجعل لها فضاء مدينيا، لينتقل من الاصغر/ المسكن الى الكبير/ المدينة، او من القصيدة / الحد الى الديوان / الوطن، فسعفه مروره عندما جسد مجتمعا طبقيا لسكناه في اطارها المتعدد، بل ينتقل من الجدل الطبقي الممثل في التناحر الاجتماعي ليتحول تلى الفلسفي بصيغة افلاطون في مدينته الفاضلة ، وهو يرتب طبقات هرمه الاجتماعي، افلاطون في الفلسفة المثالية وعزالدين الشدادي في الزجل، فتصبح المسافة بين الزجل والفلسفة هي استحضار افلاطون ليكون مرجعا في نسق مهد له المسناوي، الذي اختار عرش الشدادي ليؤول صناعة تمثلاته الهرمية ابداعا وفسفة ووجودا. ، في الاخير انتصر الابداع الذي كسر اسرار مجتمع عبودي داخل صناعة الكلام بالابداع .
تلك هي السمة ، او البؤرة التي شكلت مسعى شاعر وهو يمر عليها بتنقلات اخفت افقية كتابة، لتجعل منها كلاما غير عادي في رؤية الوجود المتمثل والمتصور بخلفيات خفية، اخفاها النص واعلن عنها النقد.

مرافقة بالتتمات

سعيد فرحاوي
...
مرافقة بالتتمات : نور ابو شامة حنيف ارادنا ان نصاحب وقع شاعر رتب حلمه منخفظا.
المتن :
...
أَقْبَلَ الْفَجْرُ مُثْقَلاً بِغِلالِه
تَتَدَلَّى من سِلَلِهِ عَناقِيدُ النُّجُومْ
دَوَّنَ على سافِلَتِها بِالْبُنْدِ الْعَريضْ:
خُرْذَةُ أَحْلامٍ مُنْطَفِئَة...! 
...
صاحب المتن :
Mohamed Boumhali
...
قراءة نور ابوشامة عابرة وقراءتي منفلتة ، في المساحة بين العابر والمنفلت يتحقق النص متمفصلا بتمظهر مساءلة الفجر ليتحول متدليا على وقع الغلال الهادئة : 
هي غلال التجلي لزمن حددته طبيعة تواجدنا ليكون بداية تمظهر الزمن بشكل مرتب حسب صيرورة الوجود، تلتقطه عين اخرى لتسمو به في رحلتها الدافئة، هو عبور عبر محطة الغلال التي حسبها الشاعر تنقلات تتدلى وكانها ضحية جاذبية نظراته التأملية، تتمايل نحو الاسفل بوصف دقيق، كالثريا، لان لاقطها لم يسمح لها ان تنمو بصيغتها، وتتحرك بارادتها، وحده من يملك زاوية نظر منها تتمحور الحركة في انخفاظ خاص لفجر مرفق بغلال، و كينونة الثريا هي تنحدر وحدها القادرة على احتواء صورة شاعر يرى مايريد. لتصبح مكانا وملجأ تحتوي حياة احلام نائمة. 
شاعر حرك الفجر وجعله في صورة التدني والانخفاظ، كل ذلك ليهيء هبوط الاحلام وينومها، بل لينهي حرارة الحياة فيها بنوم خاص ، بناء الحركة في زمن متلولب على مستوى بداية الكشف عن حقيقة البداية في التحقق، ووجود في تراتبية مبنية بشرط التوازي في السقوط. تنكشف بعدها الحياة في فجر شاعرنا بصيغة التهيء للانزلاق في متاهة الموت، ليؤسس تلازم الغلال المتدلية، ليصبح الحلم الساقط حلما اخر في وجود الانطفاء والنهاية:الاعلان عن بداية الزمن ليتمم ملجأه في نهاية الحلم ، كل داخل التجلي في حلقة غلال مرتبة على وقع ثريا ساقطة. 
هكذ الحياة اخي نور في مقطع شعري قصير جدا بايحاءات دلالية عميقة ومكثفة.

" اقرأوا لهذا المبدع "

Nour Abouchama Hanif 
******
سلسلة
" اقرأوا لهذا المبدع "

المتن :
...
أَقْبَلَ الْفَجْرُ مُثْقَلاً بِغِلالِه
تَتَدَلَّى من سِلَلِهِ عَناقِيدُ النُّجُومْ
دَوَّنَ على سافِلَتِها بِالْبُنْدِ الْعَريضْ:
خُرْذَةُ أَحْلامٍ مُنْطَفِئَة...!
...
صاحب المتن :
Mohamed Boumhali
...
قراءة عابرة :
...
جميل هذا الذي تخطه يداك الموسومتان بالدهشة ... نقلة من جمالية الصوغ الى جمالية الوخز في تراكيب انزياحية تكسر التوقع الذي نوّم ذائقة المتلقي في رتابة المألوف ثم باغته بمسافات التوتر ... هكذا رأيت التعبير هنا في هذه الصياغة الشعرية الذكية اقترافا لعناصر الجمال بين التشكيل الاستعاري البياني الممتع الى التشكيل الاستعاري الخالق لدهشة الانكسار ... انكسار النجوم من برناسية الوجود الى معانقة قضايا الوجود ... في واقعية جميلة غير مرآتية ولا تسجيلية ... يصبح النجم هنا معادلا موضوعيا للحلم ... والنجم - الحلم ، ينزل من علياء الكوسموس الى جلال الواقع ... الجلال الأول جلال بهاء والجلال الثاني فداحة ... والحلم نظير والواقع او مترجم الواقع ... من ثمّة وصم التعبير بإسططيقا النوع الأدبي الذي لا يقف عند حدود الوصف ، بل يتجاوزه الى افق المساءلة ... الشعر مساءلة دائمة الاحتراق ... شكرا لهذا الصباح بمعيتكم أخي محمد
...
نون حاء

الاثنين، 26 فبراير 2018

المفضل الياموني

ج2.
المفضل الياموني وقصيدة توزيع اجزاء ذات لتؤسس موضوع سخطها.
هرق دمي من لحمي
سال من المحال
هازني الما
لقيت روحي فوق حروفي
ساكن خوفي
هارب
من الوحدة
نية
زماني فايتني ب مياة عام
ولا اكثر
انا مازال ماخلقت ب شهر
الشيب
فراسي ينقر
الحال مخنشش
عوال ينبش
عطيتو عيني
اعطاني صباعوا
اعطيتو قلبي
اعطاني وجاعوا
الباز يفقص الباز
الدباز دباز
دقو بالمطرقة ولا بالمهراز
ندمت علاش خرجت للريح
رجعت بحالي لصغري
لقيت عنصر
مالقيت واد لي يوصله
للبحر
نقرى عليه اشعاري
نحكي له اسراري
نخليه لجاري
سايل
حتى يشربوه الدراري
لي كال
حر ف الما
قرش ف لبحر
لي كال حر ف السما
بازونسر
لي كال حر ف الكتبة
ايوا يكر
التنهيدة لذيذة
ماقلناش لا
فين هي الفيذة من لكلام
شلا
نشوة الهدرة ماتشبع الدات
نعطيكم لي جاي
اعطيوني لي فات
نعطيكم لي حي
اعطيوني لي مات
الزاوية ف راس الجبل
وانا زايد ونهبل
رجليا
رزمو
وحملي يزيد يثقل
بغيت نشم رماد النجوم
طلاتني يامي بالحموم
خنقتني دوك لغيوم
لمكالية ريحي
الحابسة اعجاجي
لمخربقة مجاجي
لجمدة بحري
ومواجي
رني ندور ف بلاصتي
ك زوبعة ف هوايا
نحرك غباري
نشطب ارض خيالي
نجبد وحدي عباري
بيدي
نخلط دوايا
على قد الشوف
على قد الخوف
ماشي ف غدا
متلوف
دخلت على كانتي
بشراع الما
ودموع الحلمة
وصداع الدري
الساكن معايا
من صغري
فين هي لمرايا
يالفاهمني
يالرافد لفهامة
يلا صبح الما
تولي عليك
بالندامة
قال لي معايا:
لي بغيتها خليتها ورايا
قال لي حدايا:
لا تصدق الحجايا
حالة الما حالتها حالة
وحالة العز
مدبالة
لفقي مور الباب دفع الباب يبانو السطولا
وفركي ضلوعك
يالهجالة
وذاك الساعة عيط عل الغياطة
وعل الطبالة
لي كال فهمني
نعطيه دماغي
نعطيه يد مهرازي
يهرس قشور الكلمة
يعرفني اشنو
باغي
قالو:
كل اللحم بدمو
لا تاكل الحوت بسمو
العميان يكود لبصير
للجامع للكبير
سلاس
بجوج طاحو ف بير
انا عاطيها للشوفان
يبان ما يبان
رافد سلاحي
وحاضي الطرقان
مانقد نهضر
خايف من الغاشي
مونس الصبر
الوقت مزروب
ماشي
رافد سيف المنكر
بنادم معاه يقاسي
كايتسنى لفجر
القبلة فين ماعطيت
راسي
نطلب السماحة من الما
ونستغفر
هذا مكتوبي
هذا مالقيت ف كراسي
هذا ما خلاو عشاق لكراسي
الثقافة
مكركبة
مدردبة
مكورة
ف الحافة
معنصر عليها
التلاف والتلافة
عاونو الفرقة
كوات قلبي
مرضت المعدة
بالحرقة
كل لاعاب رافد صينية
وزلافة
ايوا نرجع نتلوى فراسي
نوسد خيالي
ونبقى حاضي
يلا تخصمت مع راسي
عند الصلح مانحتاج
لقاضي
مرة مرة نسافر مع الكشافة....
قوة الزجال تكمن في قدرته على توزيع المعنى اجزاء صغيرة ، وفي التوزيع تتشظى الحياة في واقع بصيغة الرفض التام. ربما ذلك ماتجلى واضحا عندما قام المفضل الياموني بتحديد مساحة ذاته مشتتة، وفي الشتات تجتمع النظرة الرافضة لواقع غير مرغوب فيه. في الاول سال الدم المتذفق وجعا بدون حاجة الى لحم الفرح، وتناثر الزمن عدما، في التلازم يصبح سبقا وهروبا، لتنبني الحياة خارج حسبانه، لان الشاعر لاينتمي مطلقا الى سلطة المكان مادام هو صناعة المحال والعدم، ثم بعدها يظهر قلبه سائبا ، هنا الشيب ينقر رأسه هاربا خائبا خارج دائرة السؤال، هو في وحدته يحدث عينه طاليا عودتها لعله بذلك يتحقق خارج اعطاب وجعه، يبحث عن اصابعه ليستطيع صناعة وجود بريشة خاصة، هو تحقق خارج حياة من الرفض، ثم يعود الى صغره بصيغته التي تلائمه، فيصبح الزمن صناعة من خلقه، في الاول هو في خطأ الزمن لان هذا الاخير يسبقه بمائة عام . اما في هذا الان يرجع الى صغره، لانه رفض كبره وتجليه في تيه الان الغير مقبول، فيلاعب الزمن ، يراقصه، يراه من الزاوية التي تسعفه، في الاول هو هارب وفي الاخير يبزغ من جديد ليعود به الى الوراء ، كل ذلك ليؤكد لنا شاعرنا نداءه بكونه متمكن من جغرافية الفضاءات برمتها، يحولها عندما يشاء، يوقفها عندما يريد ، ويوزعها في.دوران المكان والزمن بكل احزائه ليصبح شتاتا لسخطه بالطريقة التي يراها مناسبة لتحقق جديد. نفهم من هذه اللعب ان دينامية الحياة في فضاءات كون المفضل الياموني هي حركية بكل المواصفات، متحركة في كل المجالات وموزعة حسب الرؤية التي منها وبها يفسر دوران العالم وجمود نشأته،لتتحقق الرحلة في مسار شعري مميز ، متحكم فيه بدقة عالية.
بناء على المقاربتين، نرى الوجود متجليا في تلولبات جد مركزة ودقيقة، نجد شاعر يفهم مايكتب، يتحكم في كل اسرار لعبه بدقة عالية، يحرك الانفاس عندما يبغي ايقاف الزمن، ويفتح عيون روحه عندما تتمظهر الرياح قاذفة صمتها القاتل في متاهة المكان وهو يبتسم لتوقفات نسمات جديدة تنقل الالم دفئا والدفئ وجعا ، تصبح فيها كل دوامات الوجود مسعفة للحديث عن العبث ، واصفة كلامه توقفا وصمته امتدادا لرحيل جديد في فضاءات نائمة في دوامات الحمق والجنون.
هكذا تتوزع نسائم الروح في كتابة جد فريدة ، اراد منها وفيها المفضل الياموني ان يؤسس لنفسه تميزا، فكان جسدا وذاتا تحكمهما امكنة متحولة وجامدة، وزمن موزع في مستقبل غير ملائم ، وماض مسروق يعيده الشاعر الى نفسه عندما يجده خلاصا ومخرجا لتصور جديد.

رسالة الى كاتب الزجل.


سعيد فرحاوي
******
رسالة الى كاتب الزجل.
حتى لاافهم خطأ، رسالتي هي وجهة نظر فقط ، مستنبطة من خلال متابعتي لنصوص كثيرة، قراءة وتحليلا، هي مواكبة متعددة المشارب، منها لرواد الزجل، اخص هنا الشاعر الكبير احمد لمسيح وادريس امغار مسناوي نموذجا، كما عانقت وجوها جديدة ذات كفاءات عالية، فكرا وشعرا، هي متابعات اوحت لي بالملاخظات التالية:
جل الكنابات ، تميزها خاصية التنوع والتعدد ، اعني هنا محاور تيماتيكية مختلفة، منها ماساعد اصحابها على نشر دواوين، جاءت كاضافة للمكتبة المغربية والعربية ولما لا العالمية، واخرى التزمت سر بقائها بعيدا عن فضاءات المجد والشهرة ، لايهمها سوى الكتابة ولاغبر.
كما لاحظت ان بعض الكتابات حاول اصحابها التفرد باسلوب خاص بها ، يميزها ويعزلها بتفرد خاص، هو عمل ناتج عن مجهود جبار ونوعي، ميزته مقروء فكري متنوع ومتعدد الالوان الفكرية والثقافية ، هي ميزة جد رائعة تحسب لهذه الشريحة الجديدة في فضاء الكتابة الزجلية.
لاحظت مجموعة تعتبر نفسها هي الزجل، لاشيء غيرها له الكفاءة والقدرة على الكتابة سواها، للاسف هي مجموعة في الطريق الى الانقراض، مازال الغرور مسعاها، لم تتحرر بعد من انا مريضة ونظرة شوفينية ضيقة، همها اامهرجانات والتباهي بذواتها الهشة ، معتقدة ظنونا خاطئة بذوات متورمة. هي وكتاباتها في الطريق الى الانقراض، تحكم على نفسها بالزوال، غير متفهمة او عارفة لكنها لم تستطيع الاعلان عن ذلك، لان فعل المعتقد المتورم مازال هو عقدة مرضها، تتحكم فيها نزعة نرجيسية بدرحة مرضية عالية جدا جدا...
العنصر الرابع والاخير، هو ان حال الزجل بخير، وان الطريق الجديدة معبدة بشكل مفرح، وان حالنا مستقبلا سيكون في جودة احسن، لكن مع الموجة الجديدة التي تشتغل بصدق وبرؤية واضحة وبتواضع اخلاقي كبير، الى جانب ذلك ومستواها الفكري العالي، ستتجاوز الجيل المرضي القديم وستبني لنفسها وللزجل المغربي مستقبلا مبهرا مميزا ، سيكون له الشأن العظيم.
ملاحظة: كل هذه النتائج مستنبطة من متابعتي الشخصية للزجال المغربي، وللديوان المكتوب بلغة جميلة، الى جانب معانقتي لمايقلرب ثلامائة قصيدة بالتحليل والنقد مدة تعدت السنتين ، كلها كانت مؤشرات افادتني للخروح بعذه الاستنتاجات التي اتمتى ان لاتفهم خطأ وتجرني الى متاهات انا في غنى عنها.
اخيرا تجنبت ذكر اسماء الشعراء الجدد حتى لا استثني البعض المنيز.
لكم خالص المودة.
اخوكم الذي يعمل اخلاصا للقصيدة الجميلة .

الجمعة، 23 فبراير 2018

مجدالدين سعودي
******‎  ‎‎
عبد السلام بنفينة : فارس عبدة
ابحار في محراب الكلمة
---------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي
كاتب و اعلامي و ناقد مغربي
--------------------------------------
الفصل الأول
---------------------------------------------------------------
1 برولوغ :
----------
ينتمي عبد السلام بنفينة بكل صدق لمدرسة الحساسية الجديدة ، و هي مدرسة حداثية تنهل من القديم لكنها تصقله بآليات حداثية جميلة فيمتزجان معا ، كما أنه يغوص في أعماق نصه الشعري الباذخ ، و هذا النص الشعري يتحول بالتالي الى سفر فانطازي ( عجائبي غرائبي )، فيسافر بالمتلقي الى عدة عوالم شاهقة ( عوالم الماء و البدايات و الرحيل ... ) .
( ترانيم العطش ) هو اذن كتاب ( شجى و شجن ) في ( وطني عارضة أشلاء ) ، و لهذا شاعرنا يكتب ( بيانه الأخير ) عبر ( سؤال ) ، مرددا بقوة ( حتى متى ؟ ) ل ( وطن في المزاد ) ، ثم يسافر بنا الى عوالم العطش عبر ( ترانيم العطش ) هذه ...
نصوص الشاعرجد قصيرة و لكنها عميقة و هي ابحار في مملكة الكلمة الجميلة ، تخلخل المتعارف عليه ، تستفز المتلقي بقوة بلاغته و عمق مجازه ..
----------------------------------------------------------------------
2 في السيرة الذاتية الابداعية:
------------------------------------------------
لأهمية هذه السيرة ننقلها كاملة :
( المولد
قماط مضمخ بصراخ الحبل الموشوم
برائحة الحرمل في سهوب الحرف ...
النشأة
شهيق زقاق يمشط جدائل الماء
في رحلة الكلام ...
التكوين
أغاني من الصوف المغزول بخرير
الأسطر المنحوتة
في قلب البياض ...
الحالة
هالة ، اشراق يعانق حفيف الحبر
على صفحات السفر ...
و يستمر النبض الى ما لا نهاية الومض ... الصقحة 3 و 4 ) .
---------------------------------------------------------------------
3 : في السيرة الذاتية
-----------------------------
عبد السلام بنفينة
من مواليد 1970 بمدينة آسفي
بدأ شغفه للفن منذ الصّبى حيث شارك في العديد من العروض المسرحية على مستوى المسرح المدرسي كتابة و تشخيصا و هو ابن الثانية عشر و يعتبر من رواد العمل الجمعوي بالمغرب من خلال عمله إما كمسؤول أو كعضو فاعل في العديد من الجمعيات الفنية و الثقافية و التربوية و التطوعية كذلك كانت له مساهمة مهمة في اطار المخيمات التربوية .
و التطوعية كذلك كانت له مساهمة مهمة في اطار المخيمات التربوية . من بين كتاباته :
جموعة من القصائد في الجرائد الوطنية " دوامة الشتات " مسرحية " بدون عنوان " مسرحية " المزاد " مسرحية ديوان " أحلام بطعم القضبان " ديوان " ترانيم العطش " ديوان " وصايا الخيزران " قيد الطبع كما ساهم المبدع عبد السلام بنفينة كمنشط ثقافي للعديد من الانشطة الفنية و المهرجانات الابداعية الوطنية و الدولية .
يقول الفنان عبد السلام بنفينة عن سيرته الابداعية : طوال العمر و أنا أنحت في العشق حلما طوال الحلم و أنا لا زلت أتمرن لأتقن فن الحَبْوِ و لغة التّعلّم ...
--------------------------------------------------------------------------
4 في الإصدار
صدر للشاعر المغربي المتميز عبد السلام بنفينة ديوان شعري بعنوان مثير و هو ( ترانيم العطش ) ، سنة 2017 ، و لوحة الغلاف للفنانة التونسية عائشة حمدي ، و اعداد الغلاف و الخطوط للخطاط المصري سمير أبو نعمة بينما صمم الغلاف حبيبة الخطيب .
----------------------------------------------------------------------------
5 في الشكر :
-----------------
جميل أن نومن بثقافة الاعتراف و أن نعترف بالآخر و نخصص له حيزا مهما من اصدراتنا ، انه قمة الاعتراف و التواضع :
شكر خاص للصديق كمال سليل عائلة ( لمدرعي ) على رفادة عطشي طوال رحلة الحلم الصفحة 1 ) ، و يواصل الشاعر عبد السلام بنفينة : ( و لكل من ساهم في سقاية شتلة ترانيمي كي تعانق رذاذ الاشراق .. الصفحة 1 )
---------------------------------------------------------
6 في الاهداء :
----------------
هو اعتراف صريح و الايمان بتلك الشمس التي لا تغيب و تدفئ برودة جراح الشاعر عبد السلام بنفينة و ذواته العاشقة و الهائمة و المتمردة و التي تنير له طريق الابداع بقوة :
( للتي وشحت عنادل بوحي ...
للتي رسمت ... حروفي
... لها وحدها
شمسي التي لا تغيب الصفحة 2 )
------------------------------------------------------------------------
7 في العنوان
-------------
عنوان يلخص معاناة الذات الشاعرة التي سافرت في ديوان ( ترانيم العطش ) بحثا عن الماء لتروي ظمأها في سبيل وطن حر و في سبيل سفر نحو الآخر ... ظمأ الكاتب الباحث عن الحقيقة و طرح السؤال تلو السؤال بحثا عن أجوبة ملتفة حول المرايا أو الظل أو رحيل مفاجئ في صباح فسيح أو في زنزانة الصمت أو عبر الريح ...
-------------------------------------------------------------------
8 نماذج من أشعاره
----------------------------------------------------------
أنْ تَزرَعَ في بحرالمدينة
كُلَّ هذا الموتِ لِتَحيــا ،
فأنتَ قاتل ..
أنْ تهجركَ كُلُّ الأسماك
و الأسماء،
و تَلبس مداخلكَ
كُلُّ المداخن و ترضى ،
فأنتَ قتيل ..
أنْ تَضَعَ على شَاهِدِكَ
كل مُتَعَلِّقاتك الشخصية
و بسمتكَ الأخيرة ،
قبل أن يدفنوك
قبل أن يشيّعوك
قبل أن يقتلوك ،
تلك حياة أخرى ...
------------------------------------------------------------------
بدون عنــوان ..
الموج حَـصّادٌ مأجور،
تُرى .. لِمَن يُقَـصِّـدُ قصائدهُ
ذلكَ الفَـلّاح .. ؟
و قَدْ غَـرَسـوا
فَـجَـنَـحْـنـا ..
و حتماً سنغرسُ
ليَغـرقوا أكثـر ..
هيَ السّنابل
بكاملِ امتلائها
تنحني
لِشَوامخِ المقاصــــل ...
-------------------------------------------------------------
وَ لَوْ أَنَّ الذي كانَ بي
كانَ بِـكَ ،
كانَ من المُحال
أن تكونَ لي ..
و حيث أن الذي لم يكن لي
كان لكَ ،
ذيّاكَ القلب ،
كان لابدّ لنا أن نكون
أو نكون ...
--------------------------------------------------------
مـا أبْخَسَـنا
أيّتها الغابة المطيرة ،
أكان لابدّ لتلكَ الجذور
كلّ هـذه الفؤوس ..؟
أكان لابدّ لكلّ تلكَ الأوراق
كلّ هؤلاء
الجُبــــاة ...؟
------------------------------------------------------
ليلة بيضاء
و غصن و حيد ..
ليلة تكفي و لا تكفي
لننجز فروضنا اليومية
و نجز عشب خيباتنا المطيرة ..
غصن واحد لا يكفي
و قد يكفي
لنسافر معا نحو الماء
في عيون السهر ..
رب ضلع شجرة
وفي لكل العصافير
وقد ضاقت بصدره الغابة ،
أرحب من دفتي كتاب
ناكر للجميل ...
-----------------------------------------------------------------------
أبداً لم يكن بخلدي
أن ذلكَ العِقْدَ الذي أهديته
لك ذاك المساء ..
سيأخذ كل تلك الأبعاد ..
بطنك المنتفخة دون سابق إنذار
سيارة الأجرة على شارع الانتظار
حارس الأمن المتعاقد مع كل الأبواب
الممرضة المتعاقدة مع كل الأمراض
الطبيب المتعاقد مع المستشفى
القطط المتربصة بالدماء
البراغيث في الاستقبالات
أبداً لم يكن بخلدي
أن لذلك العِقد
وطناً عاقراً
لا يعترف إلا بالتعاقد
مع كل المواليد ...
-----------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثاني
----------------------
1 في الأسفار :
-----------------------------------------
السفر عند الشاعر عبد السلام بنفينة متعة و حكمة و عبرة ، فهو في نصوصه الممتعة يتلاعب بالكلمات ، النص يجعله الشاعر مفتوحا و منغلقا في نفس الوقت ، انه نص باذخ و سامي :
في قصيدة ( سفر البداية ) يقول الشاعر :
( ألا فارحل أيها الخواء
خذ عباءتك و كل التفاهات
و دعني أقبل الصخر
في جبين الشمس الصفحة 6 )
و منذ البدايات الأولى تبوح لنا الذات الشاعرة و هي تبحث عن ماء لتعمد به ذاتها من كل ضوضاء:
( هو موطني هذا العذاب
هو فرحي هذا الصبار
المزهر في العطش ... الصفحة 6 )
يحضر الماء ليغسل ذاتا ولهانة تبحث عن كفنها : و هذا ما نجده في قصيدة ( سفر المداد ) ، حيث يقول :
( حقائب العمر تحملني على الرصيف
ترتبني خيبات على منضدة الفراغ ..
أبحث في ظلي
عن وداع يغسلني
عن كفن يعريني
من الضوضاء ... الصفحة 7 )
يحضر الأب ( المثال ) و الأم ( بكل آلامها ) في الوعي الشقي لهذه الذات العاشقة و المتمردة من كل القيود في عدة قصائد الديوان ، اذ يقول و بالضبط في قصيدة ( سفر الرضاعة ) :
( لم أجن عليك
حين أبي ضاجع
في العرق موتي ..
لم أجن عليك
حين علق الطلق
غسيل العلقة الصفحة 8 )
و كذلك : ( لم أجن عليك
و أنت تزدردين الفحم
وشاحا للوحم ..
لم أجن عليك
حين خضبت
ببياض الحلمات
زوايا البيت .. الصفحة 9 و 10 )
المرايا تحضر كذلك في هذا الديوان و ذلك في قصيدة ( سفر المرايا ) التي تنحاز للتصوف، اذ تهتف الذات العاشقة المنفلتة من ضباب الصمت: 13
( دعك مني يا أنا
و ابحث لك عن سواي
عن وجه آخر لك
عن ملامح تشبهك
كي لا تشبهني
لست مني يا أنا
اذ كل الخطايا الدنايا
لي أنا .. الصفحة 13 )
و يواصل في نفس القصيدة :
( و لك من غيمي الشتاء
لك ما تشاء
المرايا الصبايا
غنج المساء .. الصفحة 14 )
يخصص الشاعر عبد السلام بنفينة للوطن عدة قصائد : ، فتأتي عناوين الوطن حزينة : ( على صهوة الريح ، بيان أخير ، سؤال ، لجوء ، حتى متى ؟ وطن في المزاد ، رحيق النزف ... ) .
الرقص بمفهومه الكبير يحضر :و ذلك في عدة قصائد ، ففي قصيدة ( رقصة العنادل ) يقول :
( سأغمض جفون الحلم
سأومض جنون الألم
سأمضي عاريا من الليل
و أرق الطريق رماح
في صدر الصباح .. الصفحة 58 )
أما في قصيدة ( رقصة الأسماء ) ، فيعترف قائلا :
( القيثارة وحيدة
في شفق الرمل
الوتر ارتعاشة
السهاد ..
لحن في مآقي
النحيب مذاب الصفحة 60 )
بينما في قصيدة ( رقصة الغروب ) يقول :
( يا شمس هذا المساء ..
اغربي أنى تشائين ...
فشعاعها لي
شمسي التي
لا تغيب ... الصفحة 68 )
---------------------------------------------------------------
2 في العطش
------------------------
يحضر الظمأ بعدة صيغ في ديوان ( ترانيم العطش ) ، فتارة هو ظمأ ، و تارة أخرى هو عطش ، وتارة أخرى بحثا عن الماء ... و هذا ما نستشفه في قصيدة ( بئر الظمأ ) في إحالة للشيء و نقيضه معا ، اذ يقول :
( لست يوسف يا أبي
و اني أحبهم
أهوى بئرهم الذي يسقيني
لؤمهم الصفحة 69 ) ، و هذا في الحقيقية تناص جميل و ابداع رائع من الشاعر الوديع عبد السلام بنفينة .
ذات الشاعر موشومة بالحزن العميق : يقول في قصيدة ( وشم ) :
قلبي حقل تجارب
لبنادق الريح
كلما صوب نحوي
نسيم
أضاعني ظلي
في مقصلة
الزناد الصفحة 70 )
يظهر عطش الذات الشاعرة للجمال ، و لهذا يعترف في قصيدة ( رقصة الحصاد ) ب :
( سأحرث كل هذا
الظل القابع
خلف صوتي
بأقدام الحلم المتشققة .. الصفحة 71 )
و كذلك : ( أنثر بذور
عباد الشمس
على خارطة السواد .. الصفحة 71 )
و كذلك : ( أستسقي دموع غيمة
مزقت فستان عرسها
و عقدت مع الريح
قران النحب .. الصفحة 71 – 72 )
يحضر التصوف بطريقة غير مباشرة عند الشاعر عبد السلام بنفينة ، لكنه تصوف الكبار و جنون العباقرة ، و هذا ما نجده بتناص قرآني في قصيدة ( صورة مشار لي فيها ) ، اذ يقول :
( مذ كنت ماء طازجا
في عمود أبي الفقري ..
قررت أن أمتهن القيافة
بين ضلوع الكثبان .. الصفحة 74 )
ظمأ حقيقي لهذا ينتظر مهديه المنتظر ، فيحضر الماء ليزيل كل عطش و ليبتدئ الميلاد : و ذلك في نفس القصيدة :
( و كان الماء
ميلاد موت
جديد ... الصفحة 76 )
الظمأ جد كبير ، و لهذا يقول في قصيدة ( بريد القلب ) :
( أديريه على كأس الغرام
فقد شربت حتى ثمالة الحرف
و ما ارتويت شتائل أفناني الصفحة 77 )
و كذلك : ( من أجل عينيك
المبحرتين في شواظ نهاري
من أجل شفتيك
الغائصتين في عطش أنهاري
من أجل سيدتي
سأؤجل انتحاري الصفحة 78 )
-------------------------------------------------------------
2 في الختام :
--------------------
استطاع الشاعر المبدع الوديع عبد السلام بنفينة : شاعر عبدة بامتياز أن يكون في موعد العطاء الحقيقي عبر ديوانه الرائع ( ترانيم العطش ) ، فكانت نصوصه القصية دالة و معبرة تستهويك لقراءتها و يستفزك أسلوبه العميق ..
---------------------------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي
كاتب و اعلامي و ناقد مغربي
قصيدة ( باقة طريق الليل طويلة ) للزجال عبد الرحمان فهمي :
التشبت بالأمل رغم طول طريق الليل و حلكته
---------------------------------------------------------------
1 برولوغ
الزجل من أرقى الفنون القريبة من الوجدان الشعبي ، و هو اللسان الناطق باسم الشعب ، هو من الشعب و الى الشعب ، هو صوت من لا صوت له ، لأنه صوت المعذبين و المقهوين ، فيأخذ الزجال زمام المبادرة ليشاركنا و نشاركه همومه و همومنا ، فنتقاسم معا كل شيء من أجل زجل راقي يلامس حياة و ذوات الناس ، و هذا ما نلامسه في النص الزجلي للزجال ( عبد الرحمان فهمي ) .
------------------------------------------------------------------------
2 : في العنوان :
-----------------
( باقة طريق الليل طويلة ) ، عنوان هادف ، يضم عدة أيقونات ( الطريق ، الليل ، الباقة ) ، فيمزج الزجال بينهم في تناغم جميل ، مؤكدا أن ( طريق الليل ) طويل و متشعب ، ان لم نقل طريق جد طويلة ، و هذا ما نلاحظه من تأكيده عدة مرات لهذا المقطع :
( باقة طريق الليل طويلة
باقة طريق الليل طويلة )
و يواصل الزجال تأكيده لطول هذا الليل و طريقه عبر كل أبيات القصيدة .
-----------------------------------------------------------------------
3 :خصائص الكتابة عند الزجال عبد الرحمان فهمي :
-----------------------------------------------------
يتميز الزجال عبد الرحمان فهمي باعتماده أسلوب القصيدة – الومضة ، حيث استطاع تمرير أفكاره و خطاباته بقدر يسير و مركز من الكلمات ، فتجنب التطويل و التمطيط عبر كلمات دالة تخاطب العقل و الوجدان معا ، لهذا جاء نصه قصيرا لكنه عميق .
------------------------------------------------------------------
4 : حضور الليل :
----------------
اذا كانت طريق الليل طويلة ، فأكيد أن هذا الليل لا نهاية له :
( كل ما نكول وصلنا
كتزاد ليلة
و ليلة على ليلة )
-------------------------------------------------------------------
5: حضور القبيلة :
-----------------
لهذه القبيلة سمات الوجع و التراجع الحضاري و المواجع معا :
( تما بقات القبيلة
تما تاهت الكافلة
وسط صحاري دليلة )
و بهذا حضر الجفاف و القحط وسط هذه الصحاري اللاحدود لها و التي تتقاسم كل أنواع الذل .
-----------------------------------------------------------------
6 : التشبت بالأمل :
------------------
بكل عنفوان الذات العاشقة و التشبت بالأمل ، يقول الزجال بقوة :
( أري يديك
أري يديك يا لخليلة
و ها ڭ‍لبي شعليه فتيلة
و زيدي لڭ‍دام
را مزال طريق الليل طويلة )
و كذلك :
( و مزال فالڭ‍لب جهد
وخا الخطوة ثقيلة
و مزال قادر نڭ‍د
وخا الذات عليلة . )
------------------------------------------------------------
خاتمة :
و هكذا يغوص الزجال عبد الرحمان فهمي في دروب ليله الطويل فاتحا عدة جراح لكنه بالمقابل تشبت بالأمل من أجل غد أفضل ..
-------------------------------------------------------
مجدالدين سعودي
كاتب و اعلامي و ناقد مغربي
-----------------------------------------------------------------------
قصيدة ( باقة طريق الليل طويلة ) :
باقة طريق الليل طويلة .
باقة طريق الليل طويلة
كل ما نڭ‍ول وصلنا
كتزاد ليلة
و ليلة على ليلة
تما بقات لقبيلة
تما تاهت الڭ‍افلة
وسط صحاري دليلة
أري يديك
أري يديك يا لخليلة
و ها ڭ‍لبي شعليه فتيلة
و زيدي لڭ‍دام
را مزال طريق الليل طويلة
و مزال فالڭ‍لب جهد
وخا الخطوة ثقيلة
و مزال قادر نڭ‍د
وخا الذات عليلة .
عبد الرحمان فهمي

الخميس، 22 فبراير 2018

📝* المقامة الأدبية*📚
تَنَفَّسُ الصُّبْحُ بِنورِهِ فَهَمَسَ بِسِحْرِهِ،بَيْنَ خُضْرَةٍ نَاضِرَةٍ و زُرْقَةٍ رَائِقَةٍ،و الطَّيْرُ يَشْدو صَدّاحاً مِنْ مَقاماتِهِ وَ الزَّهْرُ يَبْدو مُتَرَنِّحاً عَلى نَغَماتِهِ،و رَوْضَةٌ رَوْنَقَتْ بِالحُلَلِ الفَيْحَاءِ و تَأَنَّقَتْ بِوِشاحِ مِنْ زُرْقَةِ السَّمَاءِ،وَ شَجَرُ الليْمونِ الزَّاهِرِ.. يَحُفُّها بِعِطْرِهِ الطّاهِرِ،وَ نَحْنُ جُلوسٌ بَيْنَ هَذِهِ الخَمائِلِ نَسْتَمتِعُ بِبهاءِ المَنْظَرِ الهائِلِ،إِذْ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ بَسيطٌ نَشيطٌ نَحيفٌ ظَريفٌ بِيَدِهِ قَدَحٌ مِنْ لَبَنٍ فَقالَ مُبْتَسِماً أَلا تَقْبَلونَ الهَدِيّةَ ؟! فَقُلْنا بَلى أَيُّها السَّيِّدُ الجَوادُ فَشَكَرْنا لَهُ كَرَمَ الضِّيَافَةِ وَ حُسْنَ المُلاطَفَةِ، فَاسْتَوى جَالساً بَيْنَنا مُسْتَئْنِساً لَنا،ثمَّ حَدَّثَنا عـَنْ أَشْعارِ المُعَلّقاتِ و أَخْبارِ الرّواياتِ وَ نَواذِرِ المُسْتَمْلحاتِ وَ نَظائِرِ المُوَشَّحاتِ و سِيَّرِ الفُتوحاتِ ،فيَسْموا بِنا إِلى أَنوارِ حَديثِهِ دِقَّةً و خِفَّةً مِنْ أَغْوارِ حَثيثِهِ رِقَّةً و عِفَّةً، فلا حِراكَ و لا هَمْسَ وَ لا نَجْوى و لا نَبْسَ،كأَنَّ عَلى الرّؤوسِ طَيْراً يَبْسُطُ جَناحَيْهِ خَيْراً،أَدَباً شَهِيّاً شَنَّفَ المَسامِعَ ارْتِيّاحاً و حُبّاً بَهيّاً زَادَ في الأنُسِ انْشِرَاحا، فنَرْتَشِفُ مِنْ رَحيقِ أَدَبِهِ جَمالاً و نَسْتلْطِفُ منْ بَريقِ قُرْبِهِ كمالاً ،مِنْ حُسْنِ البَلاغَةِ إِِمْتاعاً بِفَنِّ الصِّيَّاغَةِ إِبْداعاً، غَايةٌ في البَيانِ و التَّبَيُّنِ و رَوْعَةٌ في الإِتْقانِ و التَّفَنُّنِ، بِمَحاسِن التَّعْبيرِ مِنْ رِقَّةِ الأَلْفاظِ كَمَفاتِن الإِحْوِرارِ مِنْ رَوْنَقِ الأَلْحاظِ،تَنْسابُ دُرَرُهُ ماءاً مُتَدَفِّقاً رَقْراقاً ليَنْظُمَهُ حَرْفاً رَشيقاً بَرّاقاً،بَيَّنَهُ بِفِكْرٍ واضِحٍ جَليٍِّ قَدْ زَيَّنَهٌ مِنْ عِطْرٍ مَليحٍ زَكِيٍّ ،فَما أَجْمَلَ الأَوْقات سعادَةً و ما أَكْمَلَ اللّقاءَات مُواعَدَةً ،لمَّا تَكون في رِحابِ ذي عِلْمٍ و فَهْمٍ ،إِنْ تَحَدَّثَ صَغَتْ إِليهِ القُلوبُ و إِنْ صَمَتَ كَأنَّهُ حِكْمَةٌ تَنوبُ،فعجبنا لغزارة فِكْرِهِ و لِبَساطَةِ أَمْرِهِ فَقَدْ قيلَ قديماً :"المَرْءُ مَخبوءٌ تَحْتَ لِسانِهِ"
عبدالرحمان فهمي :بأمواج القصيدة يعيد صياغة ترتيبات حياة عمقها سقوط وظاهرها تخبط وارتباك .
تْحَطْمَاتْ مْوَاجْ بْحٌورْ لَقْصَايدْ
عْلَى صْخٌورْ السَّخطْ
و سْقَطْ اللِّي سْقَطْ
و انْحَطْ اللِّي انْحَطْ
أَشْ رَاكْ تَجْنِي بَكْلامَكْ
مَنْ وْدَانْ سَدْهَا السْمَقْ
لَمْلَمْ لَقْصُيدَة
تْجَنَّبْ لَمْصيدَة
و انْكَرْ حَلْمَكْ
و انْكَرْ الوَرْقَة
انْكَرْ الخَطْ
مَا تْلاتْ تَنْفَعْ كَلْمَة
مَا تْلاتْ تَنْفَعْ نَغْمَة
و فِينْ تَدْوِي الحَكْمَة
وَسْطْ هَادْ اللَّغطْ
كُولْشِي يَخْبَطْ
أَشْ نْكٌّولَكْ يَا رَافَدْ الهَمْ
يا اللِّي فَدْوَاخْلُو مأَلَمْ
سِيرْ وَاصَلْ طْرِيقَكْ
و لاَ يْهَمَّكْ مَنْ فَرَّطْ
رَا الدَنْيَا غِي سَاعَة
و النَّفْس مَالْها طَمَّاعَة
و بْحَرْ الهَمْ عْمِيقْ
و مَالُو شَط
ْ المثير في الزجل والقوي فيه هو رؤية شاعر لمحيطه من كل الثقبات التي ترسل اشعة رفض تام. هو كلام ينطبق على كلام رجل دخل من النافذة فعلق معطف قصيدة ، لانه يريد ان يتركها مبتسمة لتشظي يراه مناسبا لارتباك خاص بمحيطه . من القصيدة يطل علينا ، والى الواقع يحدد نفيه الخاص.في البدايةحدثنا عن بحر كتابة بامواج مغايرة، هو بذلك يعترف ان سخونة الكلمة هي جدبة جارحة وحارقة في نفس الوقت.في الاول الكتابة /بحور لقصايد، بعدها يتحول الى الورقة التي تلتقط المناكب، او الخط الذي لملم القصيدة.بازدوجيات متعددة يسرب جريان المعنى، يبني الخطاب ويؤسس تشظيه المخفي لتيه واقع ينقل السقوط باشرعة متنوعة، لكنها حاضرة بقوة في جريان حياة لم يحكم لها بالانتشاء. في الاول القصيدة وبحرها الطويل السيلان، هي كلام يحتوي سخطا شارخا، يتضمن لغطا قارسا، ويرسم لوحات المتاهة بالوانها العذبة. في الكتابة يتمفصل السخط باللغط ،بالتباعد والتصدع، ثم يعود لينفي تصدعات احلام في جغرافية الكلام نافيا دوامته بكل احلامها المزيفة( وسقط اللي سقط ... اش راك تجني بكلامك)، هو تعبير رافض لحيلة الكتابة في نقلها متاهات عدة بظن مموه، لان الحقيقة حددها عندما قال:( اش راك تجني بكلتمك من ودان سدها السمق)، لان الوقع حسب شاعرنا هي دوامة تغيب النظرات وتوقف المجرات ، مادام التلقي ضعيف والمتابعة منعدمة وروح التجلي بمرافقات مثيرة تغيب في الاخر المصاب بانفلوانزا الغياب، معتبرا ان الغاية مستبعدة مادامت الاذن العاشقة والكاشفة عن حيثيات واقع متمثل ، تغيب مطلقا والنتيجة: (لملم لقصيدة تجنب لمصيدة)، فكل الامور المتوقعة في كتابة كاشفة عن معطيات صادمة حسب شاعرنا ، تبقى مجرد احتمال لتوقع جد منهزم، لذلك يتخلص من عناصر تشظيه ليعيد الحكمة في طواف الزمن الذي يراه خدعة ، والممشى فيه دوامة مهرولة، والحقيقة هي ان الحياة في عمقها تبقى مجرد: ( غير ساعة+النفس طماعة) والنتيجة الاخرى هي ان : بحر الهم عميق، لتبقى هذه الحقيقة هي مبتغى كتابة اخفت عمقها بالدوران في اجزاء مثيرة من معنى مشتت. في الاول كلمت القصيدة وحاصرت دورناها في بحر بامواج تتشتت على/ صخور السخط، ثم يعود ليحدتنا عن دوامة تلقي له من الظن ماجعل من وقع الكتابة تبقى دوامة التباعد بين مرجعيتين متناقضتين: شاعر يحلم ومتلقي يلهو بعيدا عن متاهة القصيدة، فيأتي في اخر المطاف ليوقفنا في قصر الزمن ونهاية الوقت ، واللعب في شاطئ الهم العميق ليبقى التشظي هو الاختيار النهائي في قصيدة بلا اشارات ، بلابوصلة.
تلك هي تمفصلات اجزاء متعددة من اجزاء المعنى لكتابة في بحر ظنها تجر شاعرنا في تمثلات العبث الخاصة بجريان دورانها .
حسن بنموسى
*******
قراءة في الخلفيات الرمزية وعلاقتها بالواقع وتحليل تقنية الانتقال شعريا من العام الى الخاص والعكس مع البحث عن الغريب المختلف وعن المبهر في معمار النصوص و مضمونها كمافي تشكيل أنماط الكتاية وتركيبها وبيانها واستجلاء الأسس المؤطرة لذلك اجتماعيا ونفسيا وفلسفيا ..
في ديـــــوان:*شـهــــــوة الغـريــــــب*
للزجــــــالـــــة : * نجـــــــاة د روا ش*
بقلــــم النـاقــــد \ حســـن امكـازن بنمـــوسى .
*************************************************
.
هل كتابة الزجل مرآة لتدوين المغامرات الحياتية المعيشة في تداخلاتها مع الواقع وفي تقاطعها مع الحقيقة ؟وهل مغامرة كتابة الشعر الشعبي باللسان اليومي هي أبلغ و أدق توصيفا من الحقيقة نفسها ؟ و ما علا قة الزجالة : *نجاة درواش *في ديوانها....*شهوة الغريب* بهذه الإشكاليات ؟
أرى أن الزجل في معظمه ترجمة للأحاسيس نقلا عن جزء لا يستهان به من الواقع و أن المجاز في قصيده أبلغ رصدا للحقيقة وأكثر تنويعا في التبليغ, لأن التجربة الزجلية كيفما كانت علاقتها بالواقعية , فإنها تلتصق بمقومات فن الشعر حتى في انزياحاتها عن الحقيقة لتصبح المغامرة في الزجل صورة فنية غير الصورة الواقعية المرصودة في الحياة . فالزيادة في التنميق والوصف والتدقيق والمبالغة في تحسينات البناء الشعري والإعتداد بالقدرات قد لا يكون تعبيرا حقيقيا صادقا وقد يكون كذلك,لأن الشعر بمختلف أشكاله قائم في بنائه الجمالي على المجاز أكثر من قيامه على فن تصوير الحقيقة كما هي ,لذا تكون المغامرة في كتابة الزجل ببناء شعرية متينة على هدفين أساسيين هما رصد الواقع وتوثيقه وإظهار البلاغة والقدرات الفنية للإمتاع والإبهار...إذن الهدف أدبي\ اجتماعي \ذاتي \ فني \ بلاغي .
هكذا تم تحديد مجمل البناءالفني في ظاهره و مضمره في زجليات ديوان * شهوة الغريب *من قريحة الأديبة الزجالة * نجاة درواش * .وعند القراءة الأولية لهذا الديوان الذي ينضح قيما اجتماعية بتعابير واقعية و متخيلة ...حزينة و صادمة ...موقضة للأوجاع أحيانا وملهبة للمشاعر و موثرة بالحكم والأمثال أحيانا أخرى , مما جعله يفوز بالجائزة الثانية في مسابقة المهرجان الوطني للشعر بجرسيف في دورة 2015 والتي كان فريق التحكيم فيها لاختيار النصوص الشعرية \ الزجلية الفائزة يتشكل من : الأديب والباحث الدكتور عبد المجيد فنيش والشاعر\الزجال الكبير: أحمد لمسيح والأستاذ الناقد :محمد رمصيص .مما يصبغ على هذه الجائزة القيمة الأدبية والفنية المتميزة.
والديوان صادر عن مطبعة بلال سنة 2015 وهو من الحجم المتوسط ويتكون من 81 صفحة ويضم 16 قصيدة والتقديم للديوان لجمعية الهامش للشعر والتشكيل بجرسيف وهي الناشرة له بدعم من الجماعة الحضرية لجرسيف وبرعاية صندوق الايداع و التدبير اللذان كانا الساهران على احتضان المهرجان ,واللوحة التشكيلية المعبرة عن مضمون المؤلف على الواجهة من ريشة الفنان التشكيلي; *امحمد شريفي* .
إن نصوص الزجالة لا تحتاج إلى كثير العناء لأثبات خصائصها من حيث هي إبداع ...لأن ذلك ظاهر من أشكال البناء اللغوي وهندسة التركيب ومقوماتهما التقنية والجمالية والموضوعاتية , فالزجل هو الأدب الشعبي المعبر به عن أفراح و أحزان الجماهير الشعبية وهو الأقرب إلى مشاعرها و أحاسيسها , وهو مكمل لكل الأساليب التعبيرية الأخرى بل هو عنصر أساسي من عناصرها .
ولذلك فكل الشعوب لها أشعارها بلسانها الدارج المنساب على لغتها اليومية القريبة من وجدانها ومن طقوسها وعاداتها ...فالزجل المغربي له نظيره في كل الأمصار العربية من المحيط الى الخليج .
والزجالة *نجاة درواش* تتغنى بلغتها اليومية,لكن بحكمة نادرة وبأسلوب مركب تركيبا ينم عن قدراتها في التمكن من أدواتها عند الكتابة...وانغماسها في كينونة المجتمع الذي تستنبط منه أيقونات شعريتها وخاصة حين نجدها تقول في الصفحة 12 من ديوانها في مطلع قصيدة : *الطا *
الطا طمع
والطمع طاعون
واحد يشطح لك
بالطبل والغيطة
وغير تفرح
يطعنك بخنجر
وسر الكلام مطلسم
خديعة
مدهونة بالسم
زينوها عسل
وغير دقت منو
شداتني المصيدة .
نستنبط من النص أن الواقع يتحول الى شعرية زجلية في مسوغات بوح و تنبيه وتعجب لتستجلى من خلف ذلك حكمة ...درس من أعماقها ,لتحيك من خاصية الطمع نوستالجيا معيشة في نسيج فني درامي يوحي بأن من يزين لك الحياة ويجملها بالمعسول من القول والفعل دون أن تبدل مجهودا مقابل ذلك ...فانتظر في الغالب الخديعة أي المصيدة كما جاء على لسان الزجالة حين قالت : (واحد يشطح لك... بالطبل والغيطة...غير تفرح...يطعنك بخنجر...سر الكلام ...مطلسم... ...خديعة...مدهونة بالسم...زينوها عسل...غير دقت منو ...شداتني المصيدة...)
وتبني الزجالة دراما واقعية في خلاصة مقتضبة بدقة تصوير عالية مما يدل على أنها تنتمي لمدرسة * تجويع اللفظ مع الإفاضة في المعنى * ...كما قال في ذلك الأستاذ الروائي المغربي مصطفي لغتيري في كتابه تأملات في حرفة الأدب بالصفحة 25 :(إن المضامين ليست الفيصل الحاسم في جودة الأدب , بل الطريقة التي صاغ بها الأديب كتاباته هي ما يعتد به ...إن الإبداع في اللغة يتحقق حينما تكون هذه الأخيرة رشيقة وخفيفة , موضوعية وصادمة , تستغل التقديم والتأخير ...والتخفف من الزوائد قدر المستطاع ) و بنفس المعنى قال في ذلك البلاغي العربي الكبيرالأديب ـ عبد القاهر الجرجاني ـ باختصار شديد ( بإجاعة اللفظ و إشباع المعنى ) للحصول على بهاء اللغة وجماليتها ورونقها ونفس الظاهرة نلاحظها في جل نصوصها وخاصة عندما نقرأ في مطلع قصيدتها بعنوان : * سحابة * بالصفحة 13,حيث تقول :
ملي عرفت
هروبي دوا
وسكاتي مر
ولات الوحدة فيا عاهة
لقيت راسي أنا وهمي
ننسج احلام
نغزل كلام
بحبال صوتي
نصرخ نفجر
ألف موال
كان محبوس
منفي ف صدري....
فالزجل في بوحها هنا مطعم بذكريات المآسي التي تبقى دائما تجربة حياتية لا يمكن جعلها نصا فنيا إلا من مخيلة فنان أخاذ كموهبة ريشة تتقن مزاوجة الالوان لتنزيل لوحة من وحي الازمات أوكحذاقة روائي من خلال عصارة سردياته و متنه الراقية....
ومن خلال هذا النص الزجلي تتضح لنا الحقيقة التي ترمز إلى اهتزاز نفسية الشاعرة بسبب ما عايشته من متناقضات مجتمعية فأتت تصرخ وتفجر بأسلوب مهشمة نفسه ,محبط للآمال ...والذي تنفست في آخره بما كان محبوسا في نفسها بل وبما كان منفيا في صدرها كما قالت .
إن جمالية النص عند الزجالة نجاة درواش لا تغني عن مضامينه , فالإكثار من الصور الشعرية في نصوصها من حيث التخيل والبناء الدرامي والتشويقي له ما يبرره في مقابل بلاغة النص وتراكيبه المتينة, وهي لا تفصل قضية المرأة عن القضايا الإجتماعية الأخرى في معالجتها الشعرية لمثل هذه المواضيع بل تجعل إيقاعاتها أكثر خفة و إنها تلطف بها أجواء القصيد حتى يخال لنا أنها تنفخ فيها من إلهامها ألحانا أنثوية موسيقية لتنسجم مع موضوعية المرأة في بوحها ...لتزيدها بهاء ورونقا فيتجسد بذلك تداخل معاني الكلم مع إيقاع النغم والعكس صحيح .
لذلك نلاحظ أن بناء جل القصائد جاء على تقاسيم توليفات إيقاعية في ومضات متناسقة مع المعنى والشكل ونجد ظاهرة الكتابة بهذه الترنيمات الإبداعية خاصة حين تقول نجاة درواش مثلا في الصفحة 32 في مطلع قصيدة * نت * :
ياك اللي ف خيالي رشمتك
وناجيتك شحال
وكنت ليك
حمل طري
بستي خد
وصفعت الثاني
ياك نوارة جنيتيني
ومن جنانها حرمتيني
وبشوكها دقيتيني
ف قفص خالي رميتيني
وحلفتي
ما طلق سراحي...
ونستنتج أن النص إلى جانب خاصية الايقاع المتناسق مع المعنى يخيم عليهما الحزن وغذر الفراق و آلام الغياب ...وبإتمام القصيدة يظهر جليا أن ذلك ناتج من تجليات التنقل المطرد بين الجهات حواضرا وقرى ...إكراها مما يسبب آلاما تزداد شدتها وآثارها في مجموعة من القصائد الأخرى التي تعري واقعها وشقاء بعدها عن الأحبة ...و الإنزواء وحيدة تنتظر حرارة اللقاء فمثلا نجدها تبوح في قصيدة * رحيل * في الصفحة 19 :
نبتت حروفي
غمزة من ضو الشمس
نورت طريقي
وهربت منك
شحال
حطيت فسيدي بوزيد
سنين عشتها منك بعيد
وكما تقول في رحلة العذاب في الصفحة 22:
وبحر الجديدة رفيقي
منو نسقي وراقي ....
وتزيد في حلمها المر المتلاجج بين طيات ومكنونات صدرها المعجون بتربة النفي فتقول في نفس القصيدة :
ومن موكادور لآسفي
تخرج من ظلام الليالي
تطلع روحي من قبري...
كما تقول في هجرة قسرية أخرى حيث تسقط معنى القصيدة ومضمونها على العنوان بإزاحية غير مباشرة حيث تغازل بالمكشوف مدينتها المحبوبة التي تتقاسم و إياها أسرارا مشتركة فتقول :
نخرج المكشوف
ونكشف سرك
تعطش نسقيك من حروفي
ونكون عسل
بين عينيك يقطر
حيث فيك يا تيفلت
السر مخبي.......
إن الشاعرة تستعرض أدب الترحال في تقاطع مع السيرة الذاتية زجليا بأسلوب شيق تعانق من خلاله الغزل والعتاب والشوق والمكابدة واليأس والتهميش , وشخصيتها تلازم النصوص شكلا ومضمونا بنزعة يغلب عليها التصوير والتشويق حيث تميل إلى تشريح ذاتيتها ومخيلتها كمرجع أساسي و كمحور متعدد الأهداف ...مما يجعل مهارة الحكي عندها سلسة بأفكار ممنهجة بلغة سليمة لتفصح عن ما تتضمنه أناها ودواخلها من لواعج الحياة .
لا شك أن النفي القسري نزولا عند ظروف عامة أو خاصة كما له مساوئ البعد والعذاب والتهجير والانزواء بعيدا عن الاهل والاحباب له محاسن بها كان هذا الاختناق الابداعي في ذات الشاعرة الذي جاء متدفقا شلالا معطاء من جميل الكلم وبديع البناء هندسة وبلاغة وحكمة ...وتفجر ينبوعا زجليا رائعا , فلولا ظاهرة النفي في حياة الزجالة لما جاء الزجل بهذه الحرارة المفرطة في الجمالية الدافقة متونا رائعة .
ونصوصها حاملة لقيم إنسانية نبيلة , ومعانيها سامية , وأساليبها تنتقل بين التأسف والتعجب والإستفهام بمكونات متفاعلة فيما بينها لتبني بلاغتها على مقاس تقنيات معجمها الشعبي كما على مقاس بنائها الدرامي مخلخلة بذلك محسنات الابداع في اللغة من قبيل الاستعارة والتقابل والتشبيه والاسقاط والانزياح والتوازي لتجعلها في تناسق خاص بها ...كما تصل المبتغى بواسطة تحديد مكونات الخبر بأنواعه لتوظيفه في الزيادة في بهاء التعبير ونظم السياق بالتقديم أو التأخير لتأتي سلاسة الزجل مطواعة بهية مستجلية للإشكاليات المطروحة و واضحة المعالم ومشرقة بالإضاءات .
وهي نصوص تؤسس لرؤية عميقة للوجدان ...حيث تتشكل الأحاسيس التي تعبر تارة عن التشبث بالأمل ...والإنغماس في المقاومة النفسية من داخل المعيش اليومي وتارة في البحث عن الرحيل داخل الذات للهروب من منفى المحيط الإجباري ...إلى واقع آخر , فالسفر قد يكون وجدانيا متخيلا عند الزجالة للخروج من الكآبة والتحسر وقد يكون واقعيا لتغيير الأمكنة والأجواء والمؤثرات التي تذكر بالماضي الحزين و بمخلفاته ومثل ذلك نجده يتراوح زجليا بين المنزلتين في قصيدتها بعنوان * رحيــــــــل *بالصفحة 19 وقصيدتها بعنوان * الحـــــــب *بالصفحة 51,وهما عميقتان في التعبير حد التناقض إلا أنهما يتقاطعان في عمق رؤيتهما للحياة ...للواقع ...للمشاعر .
أن المواضيع المطروحة في النصوص تناقش المتعدد من الإشكاليات المجتمعية وتخوض في النفس الداخلية للفرد لتستجلي دواخلها والمؤثرات الخارجية فيها بقدرما تؤثر في المتلقي وتجعله مندمجا مع الزجالة في رؤيتها ,بل حتى يصبح متواطئا معها في طريقة علاجها للظواهر المتشعبة في شعريتها وبذلك فهي تجعل من نص الموضوع بؤرة تحليل وجذب وتشويق إلى حد الإندماج معها ...مما يجعل المتلقي مسلوب الإنتباه , منخرطا في ماهية العرض ومرتبطا به ارتباطا وجدانيا, وهذه خاصية مميزة من خاصيات نجاة درواش ...وأراها وصلت لهذه الميزة عن طريق مستوى تركيبها اللغوي هندسيا وإيحائيا و إيقاعيا , فمن حيث معمار النصوص نستطيع أن نقول إن بناءها لا يختص بالشكل على حساب المضمون ولابتعدد المعاني وتقاطعها على حساب الايحاء أوالانزياح في ترابطهما مع الايقاع . وبذلك نجدها تؤسس لخصوصيتها في الكتابة الزجلية ...لأنني أومن بأن لكل شاعر أو زجال أو فنان ...بصمته الخاصة به في مضمار تخصصه ,وبالتالي فإن قناعاتي من هذا المنطلق حول هذه النصوص الابداعية , أنها نصوص عميقة و متجذرة في صورها الشعرية وفي إبراز التجارب الحياتية وفي تأويلها للمعيش اليومي انطلاقا من نظرية غير نمطية في الكتابة الزجلية , نظرية ليست صدى لتجارب سابقة , نظرية ليست تكرارا للسائد \ الابدال النظري , نظرية تعتمد تحليل متشاكلات البؤر الوجدانية \ الاجتماعية \ النفسية \...وهي في ذلك تنتمي لإيقاعها الداخلي الخاص بها لتسقطه على أشكال البناء بالتوازيات والإستعارات والتقابل والمقارنة في جمالية تركيب إبداعي أخاذ و مبهر ...إنها لا تقترب من القارئ بما أنها تجعل القارئ يقترب منها بقوة جذبها وتقنياتها حتى يندمج مع محيطها الأدبي بمجرد ما يطلع على نص من نصوصها , ونلاحظ ذلك جليا حين نقرأ مل يدل على ذلك في نصوص مثل : صهد الكلمة ـ حجاية ـ حروف القصيدة ـ مولات الواد ـ ربيع العمر ـ خيط الشعا ـ...
ونجد الزجالة في معظم نصوصها ومن خلفياتها الرمزية أحيانا تلجأ إلى الخروج إلى العام من الخاص لتسقط ذاتيتها على الآخر, حيث تبحث عن المختلف في الآخر الذي لا يوافق رؤيتها وانسجامها مع المحيط , ومن خاصياتها هذه كذلك تولد الكتابة عندها بسحر التداخل والتضاد بين الخاص والعام ويقول في نحو هذا الأستاذ الأديب أحمد بوزفور في مداخلة له بالملحق الثقافي لجريدة المساء في عددها 2903 بتاريخ 02ـ10ـ 2016بالصفحة 21في قراءته لرواية *الحكاية الأخيرة *للأديب عبد الحفيظ مديوني ( الكتابة إذن أن تخرج من عالم الجماعة لتدخل عالم الفرد , وأن تبحث عن الغريب والمختلف , لكن وعن الفاتن والمغري , ولن تجد هذا الفاتن والمغري إلا داخل ذاتك ...لكن أجمل ما ستجد هو الانسان لا الشخص ,ستجد الانسان المغربي فلان.لأن الكتابة خروج عن العام إ لى الخاص ثم االبحث عن الغريب والمختلف والفاتن داخل خاص الخاص, ثم بحث عن العام داخل خاص الخاص ...عن الانسان داخل فلان ), وهذه من خاصيات مفهوم الكتابة عند نجاة درواش كما أجدها حسب خصائص هذه الكتابة التي تنهل منهاوالتي تفتح منها ذاتها على محيطها , وعلى ذوات أخرى ...عامة وخاصة تتداخل فيها الرمزية بالخيال المستندان على إيقاع لتصنع من ذلك صورا إيحائية ترتكز على أشكال بناء لغوية بلاغية لتقدم لنا أحاسيسها الداخلية الخاصة التي لملمتها ذاكرتها في شكل تواصل زجلي غاية في الإبداع الهادف ,بعيدة عن المبتدل \المصطنع ,لتبني جسرا بين ما هو إحساسي شعوري \ شفهي...إلى ما هو كتابي \ زجلي مدون .
وكخلاصة إن هذا الديوان يرسخ لكتابة منبعها الذات ...والواقع اليومي , كما منبعها الأنا الجمعي والفردي ,وإنها لنصوص إبداعية ذات قيمة فنية وتقنية دون تكلف ...في تصارع متواصل مع الآخر ومع الذات , وهي تدعو إلى لحظات فاتنة للإستمتاع بها ...وإلى لحظات من الإمتاع حيث نجد سلاسة الغواية والتشويق والإنبهار ونجد تصالح الفرد مع نفسه من خلال قراءته للزجل الرفيع عند نجاة درواش .
ورغم هذه القراءة المتواضعة في ديوان * شهوة الغريب * فهو ورشة مفتوحة للبحث والتنقيب عن مكامن أساليب الكتابة الزجلية واختلافاتها وعن أهداف الكتابة من وراء نصوص كنصوصه التي تجمع بين مختلف مناهل إثباث الذات الفردية والجماعية .
إن الجمالية التي تغمر الديوان هي ما جعلت من الأساتذة : الدكتورالأديب عبد المجيد فنيش و الشاعر \ الزجال الكبير أحمد لمسيح و الشاعر \ الناقد محمد رمصيص وهم ثلة من نخبة المجتمع الأدبي المغربي يحيطونه بعناية التميز حين اختاروه لاحتلال الرتبة الثانية في مهرجان جائزة جرسيف للشعر ...ولا أظن أن لجنة التحكيم بهذه القيمة إلا أنها كانت محقة في اختياراتها ...دقيقة في تقييمها نظرا لما يختص به أعضاؤها من قيم أدبية وحنكة ودراية في مجالات البحث والمقارنة دراسة وتحليلا ونقدا .
.
الشاعـــــــر \ الناقــــــد: حســــن امكــــازن بنمــــوسى .
الـــدار البيضـــــاء في ; 10 \ 03 \ 2016 .
حسن امكازن بنموسى
*********
لات في د يـــــــوان : ـــ وعود الجلنار ـــ
للشاعرة : فـــــــــــو زيـــــــة أمـــــــــــــــيـــن .
***************************************************
لا أخفي أنني انبهرت لشيئين إثنين عند قراءة هذا الديوان وهما قدرة الشاعرة على نحت معجم من أسماء وأفعال متداولة ولكن بطريقة متجددة وفيها ذكاء بلاغي مثخن بالرمزية والعفوية ومركب مما يضفي على المعجم نوع من الجدة والغرابة في بناء الخطاب و نوعية تحليله و توظيفه بين ثنايا تجويع اللفظ ورحابة المعاني.....على مقمامات تهتز شاعرية وتجرؤ على السمو إلى خارج المألوف إبداعا , لغة و شكلا ومعتى.
فأتساءل كيف تعزف شعرا بهذا الألق على مقامات احتل فيها السبق من زمن بعيد ...؟
وكيف نحتت من اللغة مفردات لا يجرؤ على التطاول عليها إلا فذ ... بل وكيف لم يلتفت غيرهاإلى التطاول عليها من قبل إلا بالنزر القليل ...؟
وهي السباقة في خاصياتها , تسربل في الحواشي وبين الثنايا شعرا بسلاسة مركبة في إطار لا يخلو من بلاغة متقدة ذكاء وإشعاعا للسمو بالشعرية والسفر في حلم الإيقاعات المشبعــــة بالتناغم وبالحنكــــة مع الفــــرحة حينا ...والحزن أحيانا...
وهذه شهادة ...بل عتبة وقد تحسب تواطئا مع مبدعة أنهت مهمتها لتبدأ مهمة القارئ والباحث والناقد ...إلا أنها الحقيقة ...حقيقة الموهبة الشعرية التي لا نشعر بها إلا حين نصدم بنصوص مبهرة , فائقة الجمال والدلالات , كلماتها طيعة بين أنامل مبدعة في تحفتها الشعرية ــ وعود الجلنارــ وهو ديوان من الحجم المتوسط ويضم 26 قصيدة في حوالي 72 صفحة . ويقدم للديوان الأستاذ الأديب والشاعر المغربي مصطفى لغتيري الذي انبهر قبلي هو كذلك بمستوى الألق الذي علية نصوص الشاعرة .
من هذا المنطلق سأكتب حول هذه النصوص الإبداعية , النصوص التي تؤسس لرؤية الواقع...لدفق الحياة ...لغربة الإنسان في محيطه ...لنشاز الضوء وللفرح المكسور بين رفات وظل ...وللحلم المؤجل قبل ميلاد القصيد من رحم وعود الجلنار ...
إنها نصوص تحفر عميقا في كبد الحياة ...تؤجج الواقع جمرا في الصدور وتهمس في الأنا الجمعي بتلون الأحداث وانعتاق المشاعر من كل ما هو مرتبط بالقناعات .
إنها نصوص تفجر دواخلنا مشاعر متوارية بل وتستفزنا وتسائل قناعاتنا عن ماهية الشعر وعن ماهية الإلتزام والخيانة والإستقامة ...من خلاله , كما تسائلنا عن ماهية الحرف والكلمة في انبعاثهما رمقا لاهثين من رماد الرفات ...كما قالت الشاعرة في أحد نصوصها .
وقد تراوحت مواضيعها بين الذاتي والفلسفي والإجتماعي بأشكال هندسية مختلفة في البناء حيث اعتمدت على تعدد الضمائر وتداخل الخطاب وجاءت بالمتشاكل من أساليب الكتابة الدرامية مع توازيات في الإيقاع الداخلي للنصوص حتى تربط بين المتن الحزين والمفرح من خلال انتقاء الكلمات المتماهية مع الأوزان في تفعيلات بناؤها أنساق متموجة في شعرية رائعة تصدر من يراع الشاعرة كلوحات تشكيلية زاهية الألوان .
وعلى مستوى المعمار العام للنصوص نستطيع أن نقول إنها كتبت خارج النمطية ولم تسع الشاعرة إلى محاكاة نسق معين ولا مدرسة شعرية ولا نمودج للغير ...بل كانت تجاري إيقاعها الداخلي برصيد من معجمها المضمر في جوانح روحها لتخرج لنا بأسلوب منبثق من مكابداتها ومعاناتها اليومية ومن خصوصية تكوينها الشخصي الذي عاركت من خلاله الحياة ففاجأتني بخلاصة تفردها تركيبا ومعنى ومعجما مما يجعلها تتميز بلغة البلاغة ودقة الخطاب وهي بذلك تؤسس لشكل جديد في الكتابة الشعرية بأطراف معادلة ترتكز أسسها على التمييز بين هندسة البناء شكلا وعلى توظيف المعجم اللغوي بطرق مخالفة للسائد\ المبدل, ومختلفة من حيث توطينه في القصيد بالإضافة إلى الدفق الحداثي وتوظيف التفعيلة في أكثر من نص بأسلوب التلاعب البلاغي بالخبر حين التقديم والتأخير أو حين الإظهار والإضماراأو الحذف...
فلا يمكن أن نصدر حكما أدبيا أو نقدا بتأويل واحد على هذا الديوان انطلاقا من رؤيا جاهزة لأنه يتصف بالتغيير والتنوع والتجديد في العديد من زوايا الكتابة الشعرية ...ولأنه نفسه وبهذه المعايير يعيد طرح السؤال حول مدى التوافق أو الإختلا ف حول جاهزية القبول بالتجديد في الانساق الشعرية العربية رغم مغامرة نصوصها في اختراق حاجز التغييرهذا .
إذن فهذا الديوان في نظري قد يعيد طرح السؤال من جديد عن ماهية الانساق الشعرية وعن مدى القبول بالتفاضل والتمايز إلى حد الاختلاف إبداعيا \ في الشكل والموضوع والتركيب والبناء \
لكن لا يمكن إلا أن نقول أن كل نصوص الشاعرة في ديوانها ـ وعود الجلنار ــ تنتمي إلى كوكب الشعر بامتياز .
وفي داخل هذا الكوكب نجد الصور الشعرية حاضرة بقوة لتؤول الواقع على مرتكزات إيقاعاتها الداخلية باسطة الدلالات في ارتباطها بالمتن وفي إمالتها على الاستعارات البلاغية وفي انزياحاتها وتقابلاتها وفي مقارناتها الابداعية التي خلخلت بها التركيب المتعارف عليه لتأتي بتركيب وبمعجم يختصان بها وتقترب بهما أكثر من ذاتها ومن القارئ .
إن نصوصها وجدانية \ اجتماعية\ فلسفية\ واقعية...تنتمي لنفسها ولمحيطها وتؤسس لتصور عميق ومتجدد بعيدا عن الابدال\ السائد .
نصوص تؤجج لزمن من الغواية والإنبهار بتيمات قصائدها موضوعات متكررة لكن مضمونها لغة وبناء وشكلا متفردة وبرصيد معجمي منحوت على مقاس المعاني وعلى إيقاع الكلمات حيت يتصارع الذوق الشعري في فك شيفرات المعاني الرابطة بين تخوم النص و أنزيمات تداخل الأفكار دون تكلف ولا إبهام ولا أسطرة .
أن لها رؤية جديدة للشكل ...للتركيب...لتحليل الواقع ...لزمان القصيدة وفضاءاتها , حيث تصالح من خلال هذا التجديد القارئ مع الشعرية العربية \ المعربة .
ويقول الأديب الشاعر والروائي المغربي مصطـــــفى لغتيــــري في جــــزء من مقدمتــــه لهذا الديــــوان : ( يتألق الشعر كلما تأتى له ظهور موهبة شعرية , تضفي على جميل القول بهاء ورونقا , وبالتأكيد لا يشعر المتلقي بذلك إلا حين يتلقى نصوصا محتفية باختلافها , فينبهر بجمالها , وحينما يتساءل عن سر هذا الجمال , لا يظفر بشيئ لأن سر الشعر يأبى أن يمنحه نفسه بسهولة ويسر , إنه يمتنع بكبرياء , فلا يمكن لقارئ حينئذ سوى التعبير بإعجابه بما يتلقاه من نصوص دون أن يقوى على تحديد مكامن الجمال فيها , وهنا تحديدا يأتي دور النقد ليجلو لنا الغامض والمستغلق , فيكشف لنا بالتالي سر إعجابنا بنصوص دون غيرها ) .
حسن امكازن بنموسى

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...