musique

الأربعاء، 28 مارس 2018

دَواوينُ الشّاعر

دَواوينُ الشّاعر
...
ليسَ شرطاً أن تُراكمَ كمّاً عدديّا من الدّواوين لتكون شاعراً أو زجّالاً ، فقد تكفِي القصيدة الواحدةُ وقد تكفي الزّجليّة الواحدة لتضعك على رأس الشعراء ، وقد تضعك على رأس الهامسين بقوّة الإبداع ، فيما المطبّلون على فراغات الطبول يملأون الدنيا صياحا وعويلا و جعجعات رحىً بغير طحين .
أذكر أن الروائية الأمريكية " لي هاربر " لم تكتب إلا رواية واحدة بعنوان" لا تطلقوا النار على الطائر الساخر" . وهي رواية رصدت مشاهد حياتية لمواطن أمريكي ، يمتهن المحاماة و يعيش في بلدة صغيرة في " ألاباما " زمنَ الكساد الكبير ، يربّي وحده طفليه ... يدافع عن رجل أسود متهم باغتصاب امرأة بيضاء ...نشر ت الرواية عام 1960 و توجت بجائزة " بوليتزر " في عام 1961 وقد تجاوزت مبيعاتها أكثر من 30 مليون نسخة في جميع أنحاء العالم. لم ينجح هذا العمل الفني في اكتساحه قلوب القراء لأنه كان حلقة في سياق أعمال كثيرة للروائية الامريكية ولكن لأنه كان عنلا ادبيا يخاطب فيهم أصالة القيم الإنسانية في تركيب لغوي يمزج بين الحلم والواقع وبين التلقائية والجاذبية وبين الصدق والأصالة .
صحيح أن التراكم يخلق النوع ، ويخلق بعد ذلك النجاح ، لكنه ليس قاعدة دائمة للتحول الإيجابي كما هو الشأن في مجال الفيزياء . وقد يكون تراكما تركيميا لا يزيد في توهج الاختلاف بقدر ما يؤكد الرتابة والتشابه . ذاك أنّ الإبداع في مجال الفن والقول يتميز بحساسية نوعية تميزه عن الإبداع في مجال العلوم الصارمة بقواعدها الضابطة للمقدمات وللنتائج . الإبداع مجال توتّر صادم لمنطق المقدمة والنتيجة ، وبالتالي فهو مباغت لكل التوقعات والترقبات الواعية بمسار القول . من ثمّة فالشاعر ، مثلا ، وهو يخلق التراكم النوعي في إبداعه لا يمتلك القدرة على توجيه هذا التراكم في اتجاه سقف محدد من عمليات الانتاج ، لأن ذلك قد يفسد عليه إمكانيات الأصالة في الابداع ، وتأتي بذلك أعماله مبتسرة مقهورة قهرا يفرض عليها أنْ تتلبس مقاسات الوعي الذي وجّه هذه العمليات ... الإبداع لحظة انبثاق ، قد تتكرر ، وقد تكون يتيمة ... قد تعاود صاحبها صباحا ومساء ، وقد تزوَرّ عنه أياما معدودات ، وقد تصومه صوما أبديا ، وقد تصومه عبورا ... وقد وقد ... 
من هنا أوضح كلامي فيما أنا ذاهِبٌ إليه ، فلستُ ضد التراكم ، وخاصة التراكم النوعي ، ولا ضد النشر بمنسوب فياضٍ في الأعمال الوازنة العبقة بعرف الإضافة والتنوع والاختلاف ، لا الرتابة والتكرار والشبه ... 
التراكم النوعي ظاهرة صحيّة لا يمكن إلا أن أثمّنها تثمينا ... ما أريد قوله هنا وهو بائن لذي لبّ هو أن آفة الانتاج الآلي الديدني العامر بالخواء ، والراكض وراء النجاحات الدانية الدونية ، المؤطَّرة داخل فعل القراءات الإنشادية في المحافل العابرة والموسمية والبهرجية التي تنتهي بالتصفيق و ينتهي مع التصفيقِ عُمرُالقصيدة و عُمرُ صاحبها ، وبالتالي ينتهي معهما مشروع الشاعر الهامس بدقة ورقة والماشي في دروب الدهشة بخطى وئيدة .
ليس عيبا أن تكون يتيم قصائد ، وليس ميزة أن تكون صاحب دواوين ، العيب ، كل العيب ، أن تكون عابثا بالإبداع ، واهما أنه تراكم كميّ ، يدفن رأسه في رمل الرمل الكثير الخواء ... الإبداع حظ لا يناله إلا مبدع عامر بالضوء ، ومن ثمّ لا تهمه القناديل إذا ما الشمس كانت سيدة الحضور ، ولا تهمه الجذوات تحكي شهادات هنا وأوسمة هناك ، واحتفالات هنالك . 
المبدع الذي يتقبله النقد لمقاربة أعماله ليس بالضرورة أن يكون صاحب دواوين ، فهذا منطق إقصائي شديد العسف و شديد الوطء على طبيعة من هو مقلّ ... وقد شهد تاريخ الأدب العربي شعراء مقلّين كثيرين لكنهم كانوا عامرين في إقلالهم ، وكانوا علامات نوعية اتخذتهم أجيالٌ كثيرة قدوات في البوح والاستشهاد .
خلاصة القول ، إن الإبداع أجلّ من أن يرصد في الأرقام ... الأرقام صامتة وصلبة فيما الإبداع جميل وهيولاني وزئبقي . والزئبق قليل ونادر .
...
بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...