رحلة مع الأصوات الشعرية النسائية المغربية
فتيحة المير 1
استهلال هل الشعر النسوي أو النسائي في مجتمعنا المغربي فتح جديد لهذا العصر أم عودة إلى أصل الأشياء ؟؟؟ بدأت بهذا التساؤل و أنا استمع لأحد الحضور و هو يهمس لصاحبه : الأصوات النسائية أصبحت كثيرة ، و رياح الحرية هبت على الشعر النسائي . لعل من الخطأ الشائع فكرة أن فحولة الشعر منوطة بالذكور كجنس ، لكن تاريخنا يؤكد أن الإناث كان لهن دور كبير في الإبداع الشعري بكل لغاته ، بل كان لهن توهج مدوي . في مراحل عدة ليس هنا مقام تفصيله . والنص الذي سأشد الر حلة معه اليوم لصوت نسائي مفتوح . ولو لم يذكر اسم الشاعرة لما استطاع المتلقي معرفة جنس المبدع و لذهب مباشرة إلى الاعتقاد انه لشاعر ذكر و ليس لشاعرة ..و هذا يحسب للشاعرة في قدرتها على إبداع نص إنساني لا ينحاز لجنس. المتن الشعري
فتيحة المير ***كون سبع أ كولني_***
اللي عندو...
عندو كية اللي جات فيه
ياوعدها و وعدو
كربة هو مكعورة
وبات ينفخ فيها وفيه
يسل لحصيرة من تحتو
ومن ليحيتو...يلقم ليه...
أمن النبوري
يتحلبد للهيدورة
ف عينيها ...يزين الصورة
يطمع فيها لكلاب المسعورة
وخليها...تحلم
دير راسها براس لغنم
أتقطع من الواد لهيه...
حتى لبغل
وسوس ليه راك فحل
يظل يبرح بالعلالي
ويتبجح أنا ادهم
وخرج عينيه...
ويسخن حتى يسخن عليه راسو
يتقدم
يفتي ويفهم
ف اللي ماليه فيه...
دار الله...
دار الله
ربي عز الخيل
كادة تهز الراس
تراجل لكدم
وتعطي لبغل ف عينيه
أملي تبورد وتحنحن
تقطع ليه لياس
تنقي ليه وذنيه...
عل وعسى يتعلم
ماشي البرد اللي جا ...يديه
العنوان ( كون سبع و كولني )..مثل دارج نحثته الحكمة الشعبية من تجارب السنون و الأيام . و هو مثل يمجد البطولة ، و يمجد التميز و النبوغ ، ..الأسد رمز القوة ، رمز السيطرة و الحضور القوي ، رمز الحضور المهيب في الوقت ذاته . كن بطلا في مجالك ن في تخصصك ، في قوتك ،في نبلك ، في علمك في أي شيء يميزك . و سأكون معترفا لك بالفضل و الأسبقية . و سأنحني احتراما و اعترافا لك بالتسيد ... أما أن تكون مجرد جسم كارطوني ينهار من تلقاء نفسه . إذا ما هبت عليه ريح ...فلا مجال لاحترامه و لا إكباره و لا ...و لا ....هكذا يحيلنا العنوان على مضمون النص المكثف و الموحي .. في تلقائية، لكن في الوقت نفسه برموز تحتاج من المتلقي إلى بدل مجهود عقلي لتفكيكها. البناء النص ينحو إلى وزن ( مكسور الجناح ) الذي يكسرصرامة وزن (لمبيت) و في بعض المقاطع تتمرد الشاعرة حتى على الوزن الأول لتركب صهوة (وزن السوسي)الذي يعطيها مساحة أرحب للتعبير عن الصورة الشعرية المتوخاة . إذ تحافظ فيه الشاعرة على القافية بحرف الروي نفسه و هو حرف الهاء بكل بعده الإيقاعي و كأن الشاعرة تستخرجه بدلوها من القاع العميق ، إضافة إلى حرف المد قبله – الياء – الذي يعطي للقارئ هذا الامتداد في النطق ختما للنغم الموسيقي الذي يؤثت القصيدة . هذه القافية بحرف الروي و المد قبله أتاح للشاعرة الحفاظ على الموسيقى الداخلية للقصيدة . فكلما انزاحت عن الإيقاع الذي يميز كل نص شعري ، تعيدهاهذه القافية للموسقة ثانية . اللغة تعب الشاعرة من معجم الشاوية الغني بالإيحاءات و إن كانت بعض المفردات مشتركة بين أكثر من منطقة لكن المتلقي عند الاستماع أو القراءة سينسب النص مباشرة إلى الشاوية و المفردات هنا تتميز بذكاء في الاختيار من خلال المعاني التي تحمل ضمنيا حمولات ذات دلالات يفهمها أو يفتتها المتلقي بسرعة و هي تعني في تركيبها = أن ليس كل شيء يقال ، و اللبيب بالإشارة يفهم = المضمون هي قراءة خاصة و قد يكون لمتلفي آخر أيا كانت وضعيته أن يعطيها قراءة أخرى. قد نتفق في بعض الصور و قد نتقاطع في أخر . و أول نقطة تسترعي في النص هو تمكن الشاعرة من استحضار المثل و استضماره دون الركوب عليه بل تستحضره كحمولة شعبية تختزل حكاية طويلة أو حكمة متوخاة .. و هو معروف في الحديث في العمق البدوي المغربي حيث كل كلمة لها امتداد و لها مغزى ... النص وحدة عضوية لا يمكن تجزيئها بل هي مترابطة لمعنى واحد تتعدد صوره بشكل ملخص ..و كأني بالنص محاولة سردية فيها الشخوص و بظلال خافتة المكان و الزمان. عندما ينتفخ الخواء ، و يغتر بانتفاخه لدرجة ينسى فراغه المهول بل و يتعالى بوهمه هذا و يصدق كذبته حتى يستفيق عند ارتطامه بحقيقته المدوية و هي : الخــــــــــــواء . الشاعرة تختصر الحكاية إضافة إلى العنوان في شطر من أشطر البيت و على المتلقي أن يتمم الحكاية أو يعيد بناءها و كأنها تشركه في الفعل الإبداعي ( للي عندو ، عندو ) حكمة التجربة الشعبية تختزل المراد في هذه الكلمات القليلة و البسيطة . من يتملك الكفاءة ، العلم ، القدرة ، القوة ، الجمال ، الحكمة ....و اختر ماشئت في هذا المنحى . فهو يمتلك فعلا مهما استتر،أو انزوى، أو تم تهميشه أو ..، أو ...، أو ...،و المسكوت عنه في النص هو : (اللي ما عندوش ، ما عندوش ) مهما تنطع ..الذي لا يمتلك هذه القدرات فهو لا يمكنه امتلاكها و لو ارتدى كل الأقنعة ، و لو تنطع و زاحم و أزاح يبقى ما عندوش ) إذ سرعان ما يتعرى و تسقط الأقنعة المزيفة . هذا المقطع البسيط جدا في تركيبته ، الغني بدلالته و إيحاءاته يختصر الحكاية كلها .و جواب هذا الشطر من البيت ( كية للي جات فيه ) الفارغ ، فارغ مهما انتفخ . و الجاهل ، جاهل مهما تنطع و ادعى العلم ... المفلس ، مفلس مهما تلبس الغنى ... و المنحط ، منحط مهما تظاهر بالسمو و النبل ...... و اللئيم من خلال النص دائما يعيش في الظلام و يتصيد النفوس الضعيفة التي تبحث لنفسها عن مكان تحت الشمس . مهما يكن ( ياوعدها و عدو ) هذا الضعيف و الضعيفة ..( بات ينفخ فيها و فيه ) نداء يضمر الشماتة ، و يظهر أن لا فائدة مما يفعل هذا الخداع .. هذا الإنسان المخادع المنافق و الحربائي يظهر ما لا يضمر ، يتلون مع كل موقف و لون و حالة ، يبيع الوهم للآخر .أيا كان هذا الآخر ....و تصوره الشاعرة بشكل رائع في المقطع التالي : (كربة هو مكعورة /و بات ينفخ فيها و فيه / يسل لحصيرة من تحتو / و من ليحيتو ...يلقم ليه ) =مع وضع ثلاث نقاط فوق الكافين = هو يتصيد هذه الحالات الشاذة المهتزة فينفخ فيها الوهم . لكن هيهات فهي قربة مثقوبة بشكل فاضح (مكعورة ) و يتصيد هذا اللاهث وراء السراب . فيسل من تحته فراشه دون أن يدري . و يطعمه من جنس وهمه ، الوهم . يتربص للأنثى ( الهيدورة ) التي انسلخت و أصبحت مداسا (يتحلبد للهيدورة ) هذه الواهمة المتعطشة لقطرة ماء في صحراء وهمها القاتل ، فيسوقها للسراب الخادع تعانقه (ف عينيها يزين الصورة ) بل أكثر من ذلك يجعلها سلعة للكلاب الضالة التي يثيرها سعرها ، و يجعل من هذه الأنثى / الوهم ، وليمة للاهثين من غير ضمير و لا أخلاق .فيلتقي الخداع و الوهم مع الطمع الحقير و يستمر هذا المخادع الحربائي ، يوسوس لهذه الأنثى ( الهيدورة ) و يدفعها نحو حلم مستحيل .. فتنسى في ظل نشوة الوهم كيف أنها استحالت جلدا مهترءا لا حياة فيه ..فتتوهم أنها ما زالت من سرب الغنم بكل ما تحمله الغنم من رمزية رائعة بمنطقة الشاوية من حياة و عطاء و حميمية ... وهذه الصورة نموذج لكثير من النسوة اللائي يغريهن الثناء الزائف من ذوي العاهات النفسية .و يتناسين في ذروة الوهم حقيقتهن ...و ما أكثرهن في المشهد الإبداعي . حيث يسود النفاق المكشوف و الحربائية المفضوحة .. و كم من ( هيدورة ) توهمت أنها (غنم ) برمزية الغنم لدى أهل الشاوية . طبعا بائع الوهم يخطط لما أراد ( و الكلاب المسعورة ) التي تطمع فيما تبقى من لحم نتن تتكالب على الواهمة ..و هم جميعهم مفضوحون أمام الجميع . في الشق الموالي ، هناك ( البغل) رمز الذكورة المعطلة بفعل الغباء الساكن قوة الجسد . حتى هذا لم يسلم من حربائية و نفاق هذا المتربص ب( الهيدورة) .و كأنه الشيطان يوسوس لكن هذه المرة للبغل ( راك فحل ) و ما هو إلا جسم مكتنز في عقل معطل . و من تم كان المثل الدارج = أجسام البغال .....= نكاية في الذكورة الفارغة الفارهة ..لا خير يرجى منها إلا حمل الأثقال ..... هذا الذكر / البغل تصوره الشاعرة بغروره صورة مركبة بشكل رائع و لاذع في نفس الوقت (يظل يبرح بالعلالي / و يتبجح أنا أدهم / و خرج عينيه) منتهى الغرور والوقاحة . فهو لا فحولة فيه ، و بعيد عن صهيل الخيل،و أبعد عن جمالية الأدهم . لكن الغرور الذي ركبه بفعل وسوسة الشيطان/ المحرض ، جعله يتوهم ذلك .و عندما ترتفع حرارة الوهم ( يسخن عليه راسو) يصبح فاهما لأمور يجهلها ، مفتيا فيما لا يعرف أو يفقه عنه شيئا . و ما أكثر المتفيقهين .......الشاعرة تلتقط الصورة و السلوك فتشكلهما لوحة صادمة بلغة تنتمي لعمق الأرض الضارب في وجدان الشعب .. فهي لا تستجدي لغة خارج انتماءها . لن تجد في القصيدة مفردة نشازا تكسر انسيابية النص و الصورة ، بل تظل وفية للغة بسيطة ، لكنها غنية الدلالات ، و تمنح للمتلقي التقاط المعنى بشكل عفوي دون منعرجات . وسط اللؤم و بائع الوهم و معانقيه و الملتفين حول زيفه .تسترجع الشاعرة الأنفاس. أنفاس المتلقي،و كأنها تنتشل المتلقي من قتامة الصورة المتعفنة المبطنة بالسخرية و التهكم لتجعله يعانق الأمل في البديل الرائع ( دار الله ربي عز الخيل ) الحكمة الربانية . تتدخل و تهدينا الأجمل و الأروع .الخيل ....و الخيل ككلمة لها وقعها الخاص في النفس ، و لها أيضا قدسيتها و امتدادها في العقل ..... فالخيل رمز الجمال ، رمز الشموخ و العزة .... ذكر الخيل يحيي في المتلقي مشاعر الحب و الرهبة و الجمال من هذا الحيوان الذي يرقى لدرجة كبيرة في علاقته بالإنسان = و الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة = في حديث الرسول صلى الله عليه و سلم . الخيل هنا لا تراد لذاتها بل هي كناية عن الإنسان الذي تسمو به إنسانيته ..فهو ليس ذاك الذي يسل ( الحصيرة ) و لا يوهم ( الهيدورة ) و لا ( البغل ) بل هو الخيل بكل ما يحمله من نبل ... شامخة ( تهز الراس ) و تتراقص في كبرياء و رشاقة ( تهزالرجل) منتهى الزهو و العنفوان ..و في ذروة هذا الشموخ و العنفوان و حركة الأقدام الثابتة و المتراقصة الرشيقة ....الخيل ، لا تنسى هذا المتنطع الواهم . فتفيق البغل من وهمه بضربة ( تعطي لبغل فعينيه) الضربة التي تعيده إلى حجمه الطبيعي ..و عندما تنطق الخيل يخرس البغل ...( أملي تبورد و تحنحن/ تقطع ليه لياس / تنقي ليه وذنيه ) عندما يتدحث العلم و الصفاء و الصدق = الخيل = يتوارى الجهل و التنطع و الخواء = البغل = و لا يصح إلا الصحيح . ربما يتعلم هذا المغرور ، ربما يستفيق من وهمه و يعرف حجمه الحقيقي ...( عل و عسى يتعلم ) و يتعلم كيف يستخدم العقل بدل الجسم و الأهواء فليس كل ما يقال صدق و لا حقيقة و على الإنسان الاستماع جيدا لما يقال و استيعابه و مناقشته و بعد ذلك يبني عليه ( ماشي البرد اللي جا ..يديه ) خاتمة لم يسبق معرفة الشاعرة سوى من خلال منشورات هنا و هناك إلى أن كان اللقاء الأول بها على ما أعتقد بمكتبة فرنسا.. هذا اللقاء أتاح لي الإنصات لصوت الشاعرة و لصوت الشاوية من خلالها بكلام الإنسان البدوي بسجيته النقية التي تعطي للكلمة المنطوقة قيمتها دون زيادة أو نقصان ..و إلقاء الشاعرة للنص بمكتبة فرنسا ضمن توقيع ديوان (واه يا دمي ) للشاعرة خديجة صادق مدافع كان رائعا و مؤثرا .. ربما – و كما أعلنت حينها الشاعرة نفسها – أنها كتبتها بعد إحساس عميق بموقف ما فكانت ولادة القصيدة بكل صدقيتها و عفويتها و كانت تلك اللحظة أول مرة تلقيها .و فعلا كانت موفقة في الإنشاد الشعري ..لأنها كانت تلقي بإحساس عميق لا تمثيل فيه ...فشدت إليها الانتباه و الحضور .. و إلى نص شعري قادم .. للمتيمين في محراب الشعر المقدس محبتي التي لاحدود لها . عبد العزيز حنان الدار البيضاء في 31/10/2014

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق