ميمون الغازي في سرد يحول طفولة مغتصبة الى متعة تمظهر زمنا بكامله بعنوان جيل الظمأ.
نص ميمون الغازي؛
تعود بي ذاكرتي إلى زمن كان فيه التلفزيون بالأبيض والأسود ، تحتله أم كلثوم وفرقتها صيفا وشتاء، كان يبدأ برامجه ظهرا - " كحانوت" عازب سكير - بالنشيد الوطني وآيات من الذكر الحكيم ، و ينهي برامجه في الهزيع الأخير من الليل .
كنت في القسم الابتدائي أجلس تحت نافذة تطل منها شمس العشية الدافئة .و كان يجلس بجواري زميل اسمه " الصبابطي" بشعره الفاحم الكثيف الذي يبدو كنبتة السدرة فوق رأسه ، وما أن تتسرب خيوط الشمس الى "غوفالته" حتى تخرج من أدغالها جيوش القمل بكل أحجامها وأشكالها وألوانها . يفتح دفتره على صفحة بيضاء و يفرك بأصابعه شعره الوسخ، لتتساقط قبائل القمل المستوطنة بصغارها وعائلاتها ، و تراها مهرولة في كل الاتجاهات منها الأسود والأدهم الصغير والأحمر الخفيف ، والأبيض البريء الذي تصعب رؤيته على صفحة الدفتر البيضاء ، كان الصبابطي يتسلى بها، وهو ينفذ فيها حكم الإعدام ، يضع الضحية بين ظفري ابهاميه ثم "يكبس" عليها حتى تسمع طقطقاتها، مخلفة وراءها بقعة دم صغيرة على ظفريه ، كان يفقس بعضها ، و تتمكن البقية الأخرى من الهروب ، و احتلال رؤوس التلاميذ و من بينها رأسي .
أول ما يطل علينا من الباب في الصباحات الباكرة، بطن المعلم الثخين، الذي كان يسبقه كامرأة حامل في شهرها التاسع ، ثم يليه وجهه العبوس المتجهم ، الذي لم ينفرج يوما ما عن ابتسامة ولو عن طريق الخطأ . كان هذا المريض يمارس علينا أبشع أنواع التعذيب الجسدي بعصاه المطاطية ، التي كان يسميها "الحنش الأسود " ، وكلما طرح سؤالا مبهما وعسيرا على فهمنا ، صرخ فينا :
سأعطيكم مهلة للتفكير وإذا لم تتوصلو إلى جواب ، سأخرج "الحنش الأسود"
وما أن نسمع هذا التهديد ، حتى نتبادل نظرات الخوف فيما بيننا
و يعم صمت جنائزي، تنعقد ألسنتنا ، يصعب التنفس ، و كرة حديدية تبدأ في الطلوع والنزول من أسفل البطن إلى قفص الصدر، كساعة رملية . تجف أفواهنا ، نصاب بالغثيان ، وتختلط رائحة الضراط برائحة البول ، يتكهرب الجو ، لا ندري ما العمل ، ونستسلم كأرانب صغيرة أمام جبروت الجلاد ، الذي يخرج "الحنش الأسود" من خزانته ، وتبدأ حفلة التعذيب .
كان يصرخ فينا كالمجنون ، ثم يأمرنا ببسط أيدينا الصغيرة المرتعشة ، وينهال عليها بكل ما ملكت قواه ، كان لكل منا طريقته في العويل والصراخ ، هناك من كان يستجدي المعلم :
- السي السي السي ، الله يرحم ليك الوالدين.
وهناك من كان يكتفي بالصياح
- "و ياااا ما يا ما .." ( بتشديد الميم ) .
أما الصبابطي ، فكان يصرخ صراخا تهتز له أركان وزارة التربية الوطنية في الرباط . بالاضافة الى صراخه العجيب ، الذي كان يشبه إلى حد كبير مواويل "تماوايت" الآتية من أقاصي جبال الأطلس، كان يلحن حرفا عجيبا على ايقاع "العلوة " ما بين الضربة والأخرى ، يضع يده تحت ابطه ويعصرها جيدا ، و قبل أن يبسط الأخرى يميل بجسده نحو الأرض ، يفتح فاه كعباد الشمس تجاه النافذة ، ثم يحرك فكه الأسفل ككلب البحر، وكأنه يمضغ الريح يلحن الحرف العجيب ، الذي لا يوجد في الأبجدية العربية ولا السريانية ولا غيرها، حرف غريب ربما أسميه حرف الألم وهو خليط بين الميم و الياء و اللام ، كان يمدد هذا الحرف بإيقاع بطيء ، مليء بالوجع ، و ينهيه بقفلة شبيهة بصرخة "الداندو" عندما ينفخ ريشه ، و يدلي منقاره مستعرضا فحولته أمام أنثاه ، و غالبا ما كان الصبابطي ينهي هذا العذاب، ببولة تنساب بين فخذيه ، مشكلة بركة صغيرة تحت مقعده لا ينقصها الا نقيق الضفادع لتكتمل السيمفونية . وبما أني كنت أجلس بجواره كان دوري يأتي بعده ، فقد كان المعلم حريصا على توزيع العصا بالتساوي، من أول الصف إلى آخر مقعد في القسم .
كنت أغمض عيني وأتألم في صمت ، و أنطق حرف الحاء بحرارة شديدة ، فأصنع منه حجرا من لهب، ألقي به داخل أعماقي ، كنت أرمي بالألم في هوة سحيقة ، سحيقة جدا، ومادامت تهوي إلى الأعماق اللامتناهيات، ولا ترتطم بجدار، أو بسطح في ظلام مطلق ، فلم أكن أحس بألم الضربات اثناء الحفل بل في نهايته .
كان الوحش يوزع العصا بعدل كبير ، فكلما ارتكب تلميذ حماقة ما أخرج الحنش الأسود، وانهال على الجميع، فلا فرق بين ضعيف أو مريض، أو ذكر أو أنثى ، إلا بالعصا ، التلميذات المسكينات ، كان لهن بكاء لا يشبه بكاءنا ، كان بكاؤهن رقيقا ناعما و بريئا ، ككمنجة حزينة ، في أوبرا ايطالية. كن يبكين في صمت وبحرقة، فتنهمر دموعهن مدرارا على سفوح خدودهن المتوردات بالخجل ، كسواق تنساب مياهها من عيون مشعات بنور سماوي . وماكان يحز في نفسي، أن تلميذتين في الصف الأول كانتا تتنافسان على كسب ود المعلم ، فترشيانه بالفواكه والحلويات من حين لآخر ، كان يشكرهن بابتسامة خبيثة ، لكن يوم العقاب لم يكن يستثنيهن أو يشفق على حالهن. كان الغول ساديا متعطشا للدموع والصراخ ، ولم تكن المشاعر الرقيقة تجد سبيلا الى جسده الثخين والثخين جدا .
التحليل:
السارد الشخصية، او السارد الذي يقوم بعملية الحكي بصفته ساردا ومشاركا في الاحداث على انه شخصية محورية في قصة مثيرة ،هو عامل بدور مزدوج ، يؤدي وضيفة بنائية جد دقيقة على مستوى المسار السردي، من جهة يعيدنا بذاكرته الى الزمن المر في حياة مرحلة من مراحل الزمن الاسود في تاريخ تعليمنا المر. من جهة اخرى يتقل احداثا مترابطة بشخصيات اخرى تساعد على توليد الحكاية وتطويرها، كما تسهم في احداث الشخصيات بتقديم اضافات نوعية مميزة، مع توضيف خطاب السخرية الهادف، هو يضحكتا في احداث مبكية، يروي حكاية شخصية تتالم ومن المها نعانق متعة من نوع خاص، مايبرر ذلك هو ان جل التعليقات على النص سارت في منحى الضحك على الصبابطي وهو يتألم من شدة القمل ومن عذاب الاستاذ بحنشه الخشن.
سارد يستهل خطابه السردي بعنصر احياء الذكرة ، يقول مبتدأ كلامه: ( تعود بي ذاكرتي)، لنفهم ان الحكاية هي في اصل زمن ذاكراتي/ ماضي، وان الحكاية المروية هي معنية بطفولة السارد الخاصة، وان كل ماجاء به النص هو حقيقي لانه مستخرج من زمن حقيقي له صلة بحياة سارد في طفولة تعنيه هو شخصيا، بمعنى سارد يستمد مصداقية خطابه من حكاية موجودة اصلا في زمن لصيق به هو شخصيا ، وليس من صنيع الخرافة او الخيال. في الاول يحدثنا عن التلفاز بشكل وصفي محددا ماتنقله الاذاعة الوطنية في زمن التلفاز باللون الابيض والاسود ، مستحظرا ام كلثوم كمادة موضفة بشكل مثير في هذه المرحلة ، وهي حكاية حقيقية تاريخيا ، لنفهم من ذلك ان السارد يريد ان يقنعنا بواقعية الاحداث وبجدية مايروي، وبأن خطابة حقيقي، فيتحول ليحدتنا عن مرحلة التعليم بشكل حرج جدا، وهي امور حقيقية في تاريخ تعليمنا الاسود، معلم معذب وطاغية وجبار الى درجة لاتطاق، فتتحول الغرفة التعليمية من حكاية بيداغوجيا الى ملحقة من ملحقات الجحيم، تعليم بممارسات تتعدى سلطة التعذيب المعهود، مستغلا بعض الثغرات ليحكي عن وقائع تهم حكاية شخصية الصبابطي موضفا السخرية ، فتصبح عملية التعذيب بالصيغة المطروحة والقمل وعلاقته بتلميذ يتفنن في قتله ، عملية بنائية جد مهمة في عملية توالد السرد وتطوره.
بشكل عام يمكننا توزيع فقرات النص على ثلاث مستويات رئيسية:
الاول : الاستهلال، زمن الذاكرة، تمثلها مرحلة التلفاز بالاسود والابيض مع اغاني ام كلثوم.
المرحلة الثانية لصيقة بالمرحلة الاولى، استهلها بلعب شخصية الصبابطي ومتعته السادية في علاقته بالقمل ، من جهة هو عامل مألم ومن جهة اخرى عامل مسلي وسادي في نظرة الشخصية الى هذه الحشرات وطريقة تعذيبها، وهي صيغة ساخرة بوضيفتين: طفولة مغتصبة ومعذبة وزمن يحوله السارد الى عذاب سادي في طريقة قتل هذه الحشرات.
المرحلة الثالثة ، تمثلها زمن التعليم الذي تحول فيه المعلم من رجل تربية الى اكبر شخصية سادية يتلذد في تعذيب الاطفال وتحويل القسم الى جحيم تحرق فيه الكائنات البريئة بأشكال متعددة من اساليب العذاب . انها لحظات مرة وحارقة ، اعتبرها صرخة قوية في زمن حقيقي عاشه جيل بكامله، جعلني اعيد اللغة لاقول ، انها مرحلة من مراحل جيل الظمأ الذي مثل مرحلة محرقة من زمن حقيقي عشناه جميعا في مرحلة الستينيات والسبعينيات وايضا الثماينيات، زمن جعلني اقول ، اننا جميعا ، ن ذلك السار د / كلنا الصبابطي والسارد ايضا .
نص ابتدأ بالابيض والاسود ليتحول الى متعة الغناء مع ام كلثوم فينتهي بالحجيم الذي قال عنه السارد حرك وزارة التربية الوطنية بكاملها.
نص جميل ينقل لعنة الالم بلغة المتعة، ويضحكنا عن زمن ابكانا، ويحولنا ، لنرى طفولتنا ونتأملها بصورة غريبة عمقها ضياع تام بالصيغة التعليمية في مرحلة سوداء من الزمن الاسود في تاريخنا المظلم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق