musique

الاثنين، 2 أبريل 2018


الثقافة النظيفة

بقلم : نورالدين حنيف


تجوعُ الثقافة ولا تأكل بثدييْهَا . و مع أن المثل " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها " يغرف من التراث إلا أنه يتجدد في سياقات متعددة ويدخل حميميا في نسغ العلاقات الانسانية الراهنة بكل تفاصيلها . ويدخل راهنية الثقافة والثقافة المغربية على الخصوص . ذاك أن الوصف القويّ الواسم لهذ النازلة ، وأقصد " الحرة " ينطبق جليلاً على ثقافتنا الآن . فهي بين خيارين لا ثالث لهما : إما ثقافة حرة نظيفة أو ثقافة تابعة دنسة ، وشّتان بين الحدّين والوجودين بوْناً مارداً يمتد جسداً قاهراً مقهوراً في آن .
ما الذي يجعل مثقفا تابعا ؟ وما الذي يجعل مثقفا راكعا لرنين الفراغ ؟ و ما الذي يقلب المعادلة فيذلّ الثقافي أمام أعتاب السياسي ؟ وقبلاً ، كان السياسيّ ظلا للثقافي يبني جسده في كينونة شديدة الوجود  و صلبة شديدة القامة ... ؟
أسئلة كثيرة ومتناسلة ، تفرض ذاتها بعمق ، ولا تحتاج إلى تحيين يومي كي تسترجع بريقها الواخز والناقد والمُعري والفاضح ، لأنها أسئلة لا يمكن أن ينساها النهار أو يغلفها الليل بتلاوينه الماكرة .
الثقافة النظيفة الآن طائر خرافي ، نادر ، ومحلق ، ومتعالٍ تعاليَ القيمة لا تعالي الصفة... وتعالي الموقف لا تعالي الأبراج ... الثقافة النظيفة سقف فكري جليلٌ يحتاج قوّة الدّاخل حتى تطاله الأفئدة والأنفس والأحلام .
و ليس السياق هنا سياق إجابة عن إشكاليات المثقف والثقافة وأزمة المثقف والثقافة ، السياق هنا ، ضيق جدا وواسع في آن ... ضيق على مستوى التناول الشخصي الموسوم بالنسبية الشديدة حتى لا يقوّلني القارئ ما لم أرد قوله ... و واسع لأن الإشكالية طبخها الدارسون والمحللون ولم يتركوا لنا في درسهم وتحليلهم إلا ماترك السابقون للشاعر من " متردم " . والسياق على بساطته التي تصرخ في وجه العدمية : منْ يرسل الحرة إلى حريتها كي تمارس حقها في الاختيار؟ يمكن أن يتحول إلى همّ جمعي جدير بالتفحص و جدير بالالتفات لأن سياقات كثيرة مغرضة تريد خدمة أجندة واحدة هي أجندة الفراغ والخواء والعدمية .
من يغّذي العدمية والدنس ؟  هل هي المؤسسة أم الفرد ؟ وهل هي الأجندات الماكرة أم الأنا الجمعية المغلوبة ؟ لا جواب هنا مقنع إلا جواب واحد يضع في قفص الاتهام عاملا واحدا ليس إلا هو عامل التواطؤ الثقافي . و بعد ذلك ليس مهما من يكون هذا المسؤول عن هذه العدمية وهذا الدنس مادام التواطؤ سيد الموقف .  وبعد ذلك لا يهم السؤال من يكون هذا المتواطؤ فردا أم جماعة ؟ سلوكا أم حالة ، ظاهرة أم عبورا ؟ ... لكن المهم هو أن يكون مؤسسة . في هذه الحال ، تأخذ مسألة الثقافة أبعادا أخرى غير التي تبدو لناظر عابر ، لأن الأمر يتعلق بنظومة شرعية قانونية أخلاقية يفرض عليها موقعها الوجودي – من الوجود لا من الوجودية – أن تكون خادمة للفرد والمجتمع لا مخدومة ، ومؤطرة لكل حالات الاستواء في الفرد والمجتمع  و كذا حالات النشاز ، رادّة للسائب ومقومة للمعوج وحاضنة للكل ، في غير تمييز أو مفاضلات .
عندما تتسيّب المؤسسة خارج إطارها الحضاري النافع للثقافة والخادم لأجندات الثقافة النوعية البانية للإنسان في داخله وفي تعالقاته المحلية والاقليمية والكونية ، تكون الثقافة مهددة ، ودائما ، بالفساد ، وبالدنس ، وبالنشاز وبالتطبيل في آخر المطاف . وعندما تتواطؤ المؤسسة مع العدمية والعبثية والسكوت المأجور تنتج قيما هامشية لا تستطيع أن ترفع رأسها في المحافل الكونية لأنها اختارت أن تغرس رأسها في رمال البهرجة .
المؤسسة الثقافية التي نريد ، مؤسسة نقية محايدة ومتعالية على الحسابات الدونية ، لأنها مؤسسة منتخبة وفق مشروع حضاري يؤمن بأن الجيد له مكان والردئ لا مكان له في المشهد الثقافي الوطني .
...
بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...