الثقافة النظيفة
بقلم : نورالدين حنيف
تجوعُ الثقافة ولا تأكل بثدييْهَا . و مع أن
المثل " تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها " يغرف من التراث إلا أنه يتجدد في
سياقات متعددة ويدخل حميميا في نسغ العلاقات الانسانية الراهنة بكل تفاصيلها .
ويدخل راهنية الثقافة والثقافة المغربية على الخصوص . ذاك أن الوصف القويّ الواسم
لهذ النازلة ، وأقصد " الحرة " ينطبق جليلاً على ثقافتنا الآن . فهي بين
خيارين لا ثالث لهما : إما ثقافة حرة نظيفة أو ثقافة تابعة دنسة ، وشّتان بين
الحدّين والوجودين بوْناً مارداً يمتد جسداً قاهراً مقهوراً في آن .
ما الذي يجعل مثقفا تابعا ؟ وما الذي يجعل
مثقفا راكعا لرنين الفراغ ؟ و ما الذي يقلب المعادلة فيذلّ الثقافي أمام أعتاب
السياسي ؟ وقبلاً ، كان السياسيّ ظلا للثقافي يبني جسده في كينونة شديدة
الوجود و صلبة شديدة القامة ... ؟
أسئلة كثيرة ومتناسلة ، تفرض ذاتها بعمق ،
ولا تحتاج إلى تحيين يومي كي تسترجع بريقها الواخز والناقد والمُعري والفاضح ،
لأنها أسئلة لا يمكن أن ينساها النهار أو يغلفها الليل بتلاوينه الماكرة .
الثقافة النظيفة الآن طائر خرافي ، نادر ،
ومحلق ، ومتعالٍ تعاليَ القيمة لا تعالي الصفة... وتعالي الموقف لا تعالي الأبراج
... الثقافة النظيفة سقف فكري جليلٌ يحتاج قوّة الدّاخل حتى تطاله الأفئدة والأنفس
والأحلام .
و ليس السياق هنا سياق إجابة عن إشكاليات
المثقف والثقافة وأزمة المثقف والثقافة ، السياق هنا ، ضيق جدا وواسع في آن ...
ضيق على مستوى التناول الشخصي الموسوم بالنسبية الشديدة حتى لا يقوّلني القارئ ما
لم أرد قوله ... و واسع لأن الإشكالية طبخها الدارسون والمحللون ولم يتركوا لنا في
درسهم وتحليلهم إلا ماترك السابقون للشاعر من " متردم " . والسياق على
بساطته التي تصرخ في وجه العدمية : منْ يرسل الحرة إلى حريتها كي تمارس حقها في
الاختيار؟ يمكن أن يتحول إلى همّ جمعي جدير بالتفحص و جدير بالالتفات لأن سياقات
كثيرة مغرضة تريد خدمة أجندة واحدة هي أجندة الفراغ والخواء والعدمية .
من يغّذي العدمية والدنس ؟ هل هي المؤسسة أم الفرد ؟ وهل هي الأجندات الماكرة
أم الأنا الجمعية المغلوبة ؟ لا جواب هنا مقنع إلا جواب واحد يضع في قفص الاتهام
عاملا واحدا ليس إلا هو عامل التواطؤ الثقافي . و بعد ذلك ليس مهما من يكون هذا المسؤول
عن هذه العدمية وهذا الدنس مادام التواطؤ سيد الموقف . وبعد ذلك لا يهم السؤال من يكون هذا المتواطؤ
فردا أم جماعة ؟ سلوكا أم حالة ، ظاهرة أم عبورا ؟ ... لكن المهم هو أن يكون مؤسسة
. في هذه الحال ، تأخذ مسألة الثقافة أبعادا أخرى غير التي تبدو لناظر عابر ، لأن
الأمر يتعلق بنظومة شرعية قانونية أخلاقية يفرض عليها موقعها الوجودي – من الوجود
لا من الوجودية – أن تكون خادمة للفرد والمجتمع لا مخدومة ، ومؤطرة لكل حالات
الاستواء في الفرد والمجتمع و كذا حالات
النشاز ، رادّة للسائب ومقومة للمعوج وحاضنة للكل ، في غير تمييز أو مفاضلات .
عندما تتسيّب المؤسسة
خارج إطارها الحضاري النافع للثقافة والخادم لأجندات الثقافة النوعية البانية
للإنسان في داخله وفي تعالقاته المحلية والاقليمية والكونية ، تكون الثقافة مهددة
، ودائما ، بالفساد ، وبالدنس ، وبالنشاز وبالتطبيل في آخر المطاف . وعندما تتواطؤ
المؤسسة مع العدمية والعبثية والسكوت المأجور تنتج قيما هامشية لا تستطيع أن ترفع
رأسها في المحافل الكونية لأنها اختارت أن تغرس رأسها في رمال البهرجة .
المؤسسة الثقافية التي نريد ، مؤسسة نقية
محايدة ومتعالية على الحسابات الدونية ، لأنها مؤسسة منتخبة وفق مشروع حضاري يؤمن
بأن الجيد له مكان والردئ لا مكان له في المشهد الثقافي الوطني .
...
بقلم : نورالدين حنيف

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق