سلسلة – 15 –
"اقرأوا لهذا المبدع "
...
المتن :
ديمقراطية شعبية!!
...
هي السماء كئيبة
على رصيف احمر
تمشي
عالية الكعب
على الأضراس
تلوك علكتها
طقطقة سفلية
تتلوها
الأخرى العلوية
والعينان تتراقصان
لعلها الديمقراطية التجوالية
وحرية التعبير
بالجسد قبل اللسان والقلم
لمن يباع هذا اللحم المقدد؟
كل توابل محل العطور هنا
من قريب يفتح فمه هذا
ومن بعيد يتأوه ذاك
استهجن الطيبون
وسب المحصنون
ولعن الطاعنون في السن
أهكذا تمارس الديمقراطية الشعبية؟
...
صاحب المتن :حسن اقشيبل
قراءة عابرة :
من بوابة " الضحك الأسود " يلج الفاضل " حسن اقشيبل " عوالم الحرف والكلمة والعبارة ، وفيها – أي هذه العوالم – يبني كتلا من سديم الكلام ، الواخز ، القارص بصادٍ واضحةٍ ، تعرّي عن وضع معيش ، و تقشّرُ منْ فوقِهِ أوراق التوت .
ينتقد الشعر الواقع والوقائع ، لا ليصور ، فالصور الفتغرافية الحزينة بعدد الحصى ، والمعارض حدث ولا حرج ، وكأنها محافل سياحية تضحك على الجرح المغربي العربي الإنساني ... ينتقد الشاعر ، وباللغة الواخزة المتجددة دائما في نسوغ جديدة تفضح في جمالية وتعري في رشاقة ...
من هنا انبرى الشاعر " حسن " يتكلم في موضوع أصبح الكل يتغنى به في سذاجة بائنة ، هو موضوع الديمقراطية ... لكن " حسن " أدخله مختبر شعره وبوحه الشاعر - من الشعور طبعاً - ليفحص حالة مرضية ويشخص معالم تورمها في النسق اللغوي المغربي الذي يلهج كثيرا بهذا اللفظ حتى أُفرِغَ من محتواه الباني للضوء أمام المواطن المسكين الذي تختلط عليه المفاهيم بفعل فاعل يصنع لأجندته سبلا تمويهية إيهامية ، ليخلد على كراسي الديمقراطية المزعومة .
قال " حسن " ... السماء كئيبة . ثم سكت
وترك للقارئ فرصة التقاط اللحظة الجمالية المبنية على التناص الذكي مع " إيليا أبي ماضي " ... والقول هنا مبني على المبدأ الحواري " التودوروفي " القاضي بتداخل نسقين من البوح ... بوح حاضر وبوح غائب في تلاقٍ جليل مع رجل نعرفه جيدا ، كان يطرح المعاني في الطريق .
قال ... السماء كئيبة ... ولم يسكت ... لأنه أردف إلى الحزن العابر ، تهجماً لا تجهماً ... من هنا انفصل الشاعر " حسن " عن قبضة التناص ، ليؤسس لذاته خصوصية بوحية ببصمة نوعية ... تستثمر الاستعارة البانية أنساقها على صفيح الروعة ... وقلت " الورعة " بوعي نقدي واضح ... انظروا معي :
قال السماء كئيبة على رصيف أحمر تمشي . ثم سكت
وفي سكوته ترك الحبل على غاربه للقارئ يلتقط طبيعة هذا الدم المراق . دم من ؟ لا يجيبنا الشاعر عن هذا لأنه مشغول بشيء أرقى . هو الرسم الواخز لهذا المتحدث عنها في استعارة قوية قارضة قاضمة لكل اشكال الدعة فينا .
الديمقراطية امرأة تمضغ علكتها في تبجح واضح بطقطقة أسنان واضحة مستفزة ، في تمثل واقعي لصورة المرأة في احتفالها الخاوي بلذة المضغ للعلكة وفي مهرجان جسدي رخيص يستفز أيضا ... على ايقاعات كعب عاهر ... والبقية جميلة في قبضة الشاعر " حسن "
صورة اكثر من معبرة ، وذكاء نوعي في التقاط تفاصيل اليومي السياسي الذي يغبن البسطاء في مسلسلات التسويف الخاوي . هكذا يبرم الشاعر " حسن " خيوط غزل شعري رقيق وحاد وواخز بقوة ، في جمالية مسؤولة لا تكرر المألوف بل تتجاوزه بضحك أسود .
تحيّة لك أيها الشاعر ... ولا أزيد
...
نون حاء


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق