musique

الأحد، 27 مايو 2018


ديباجة

*****
ترانيم نقيّة في عالمٍ معتم ... هكذا تتغنّى الشاعرة العامرة الفاضلة " خديجة بوعلي " النازحة من بلدة الفن والجمال ، محمّلة برسالة رشيقة تُقيم العرس المتخيّل بين اللفظةِ و بُعدها الزّئبقي ، لترقص انزياحات التعبير على شرف هذا الفرح السديمي رقصة الحياة المفعمة دائما بالتّوق إلى الكمال الممكن في عالم شعري ممكن ، يتشخص لنا عامراً تحت وسم " أحلام بلون الشفق " .
" أحلام بلون الشفق " ديوان موسوم بالأثر النسائي في كتابة نوعية تدخل نسغ الابداع من بوابة واسعة ، لا لتشارك فحسب ، و إنما لتفرض صوتها المميز بالهمس المنسرب في ثنايا الوجدان ... ديوان يسافر في إحدى و عشرين محطة ، كل محطة قصيدة ، وكل قصيدة عالم يؤسس لفعله الشعري الخاص المتداخل في عبقرية ماتعة مع عوالم أخرى تمارس فن الضغط النّاعم على الرتابة كي تنزاح خارجاً عن الوهج المبارك و الأصيل في هذا العمل الابداعي المحلّق .
وقبل التوغل في مفردات هذا الديوان تباغتنا الشاعرة بقرار حرفها أين يتشكل ، وتختار له صهوة الأمل تركبها فارسة راقية المركب ، لا تُشهر في وجه العدمية المقيتة إلا سيف الابتسامة ، تدْرعُ ممرات الخيبات ، تغْزِل فيها خطْواً منساباً لأشكالِ الفرح الجليلة ، في اعتناقٍ جميل لفلسفة النّور .
هو الدّيوانُ كله يتحرك داخل هذه الحساسية الشعرية ، تقْضِم من بُؤرِ الذات أبعادها الإنسانية المترنحة بين الانتظار المفعم ، و الحب العارف ، و الانكسار المعلّم ، و المساءلة الذكيّة لسلطان الزمان ، و لفوضى المدينة ، من مشكاة السؤال الثائر في نعومة ، ترْبتُ على ظهر الفراغ كي يمتلئ عنفوانا مطلوبا ، يفضحُ قرارَ الشاعرة المتواطئة مع الربيع و هي تهرِّبُهُ من لحظات الاحتضار في زحمة الضياع الخارج من مفهومه الرومانسي الحالم في طوباوية مجانية ،  الى مفهومه الحضاري الباني لرؤية فنية نسقية .
هكذا تمسك الشاعرة " خديجة بوعلي " بموضوعات شتى تتأرجح في أراجيح التنوع والتعدد " التيماتي " داخل خيط فنّي رؤيوي واحد و أوحد ، هو مدخل المعانقة لا التخلّي .
تعانق الشاعرة الذات في علاقتها بالموضوع داخل تشكيل شعري انسيابي يمتلك حسا جماليا مسؤولا ، يقدّر اللغة في جلالها الواصف لسيمياء الجاذبية الفنية و هي تمارس على المتلقي نوعا من التواطؤ اللذيذ ، فتقحمه في عوالم الذات لا ليستمتع بتجليات هذه اللغة الجمالية فحسب ، و إنما ، و أساسا ليكتشف قدرة هذه اللغة على تشخيص المجرّد المشتعل القابع في دواخل المتكلمة انطلاقا من التوظيفات الذكية لممكنات الاستعارة و هي تشرح في تؤدة مجموع التحولات المطرّزة لجغرافيا الجسد والروح .
و هي جاذبية تتغيّى الفكرة قبل الإثارة ، و المعنى قبل الانفعال ، و الصورة الذهنية قبل الصورة الجمالية ، دون ادّعاء أن الشاعرة تفتك بالبعد الفني على مقاصل الرؤى . و هو البعد الحاضر بقوة في هذا المسار الشاعري العامر بالضوء ، عبر مجموعة من الاستعارات والانزياحات  الذكية وال ماكرة في آن . و يتجلى مكرها الممتع في استنطاق كل الطاقات الممكنة في القارئ كي يتتبع التوليدات الفنية الظاهر  منها و الغابر ، و هي التوليدات نفسها الحاملة لفكر القارئ من ضفاف الاستهلاك المعنوي إلى التفاعل الدلالي و منه إلى ممكنات الإنتاج ، على اعتبار أنّ القول الشعري هو القول المنفتح الرافض لأسوار الانغلاق و القابل للتناسل في إبهار ، و التوالد في إدهاش ... و هو محطات فنية تتلاقح فيها إرادتان : ارادة المبدع من حيث هو صانع للدهشة ، و ارادة المتلقي من حيث هو مبدع فانٍ يحاول استشراف آفاق القصيد عبر مهارات و تقنيات و موهبات التأويل .
من هذا الفيض الفني غيضٌ للمثال لا للحصر ، و فيه تنتصب الشاعرة " خديجة بوعلي " ذاتاً مالكة لسلطة الفعل الشعري عبر قرار جميل يضع الفكرة النبيلة في قالب فني أنبل { صهوة الأمل أمتطي – أرقص على جدائل الشمس – أغرس الوشم ياسمينا – سأقاطع حظي المتعثر – أتوسد الوهم و الآه ... } تحتل فيه الاستعارة النصيب الأوفر و تتجاوز فيه الوظيفة الجمالية الإمتاعية إلى وطائف أخرى ترتبط بغائية قصائد الديوان المختلفة باختلاف سياقاتها .
كما أن الشاعرة حرصت في هذا الديوان على التنويع في البؤر الأسلوبية ، بين الاسلوب الانزياحي الذي تكتظ فيه العلامات السيميائية الدالة و البعيدة المأخذ ، و بين الأسلوب البسيط في غير مباشرة أو ابتذال و إنما في بساطة محمّلة بالكمائن اللغوية الممتنعة على القبض ... و تظهر هذه الخاصية في القصائد البانية أنساقها على تمظهرات الفكرة قبل الجمالية ، و منها قصيدة " أراك " حيث جمالية التكرار الوظيفي تقول كلمتها في توليد الدلالات و الأبعاد .
لم يخْلُ الديوان ايضا من تعدد الاصوات أو ما يصطلح عليه في أذبيات التفكيك بالتناص ، و هو نتاص متعدد المرجعيات نذكر منه ما يرتبط بالموروث المسكوك و نجد مثالا له في قول الشاعرة في قصيدة " مدينة الحب " { كل الطرق تؤدي إلى هواك } ... ز منه التناص الديني و المتمثل في قصيدة " آه منك يا زمن " حيث قالت الشاعرة { على شفا جرف من النسيان " وواضح هو التناص هنا مع القرآن ... وهذا التناص مظهر من مظاهر التفاعل مع الذاكرة الجمعية في تنويعاتها الممكنة ، تغني الديوان و تثريه دون المساس بأصالة المبدعة و خصوصيتها في بوحها الموسوم بنبضها الخاص .
لا أقدم في هذا المقام قراءة أو مقاربة للديوان و إنما ديباجة تفتح شهية من يريد التوغل في بنيات الديوان العميقة لاستشراف آفاق أخرى كامنة فيه ، و حسبي من هذا أنني جالست الشاعرة الفاضلة " خديجة بوعلي " في هذه العجالة عبر مجموعة من الملاحظات هي في طبيعتها الأصل أسئلة أكثر منها تأويلات . و لعل القادم من الرؤى النقدية كفيل بتغطية مناحي " الشعرية " في الديوان .
و في الختام ، أقول ، إن الفاضلة " خديجة " شاعرة تحمل في يقينها الفني قدرة مبهرة على العوم في جلال اللغة ، وفي جلال اللفظة و معناها ، وفي جمال العلامة و مغزاها ، و في صوغ الدهشة الشعرية بأنامل مقدودة من خزامى راقية العرف ، زكية العبق ، تعِدُنا ببساتين أخرى يشرئبّ فيها الزهر بأعناق طويلة لظلالٍ أطول .
تحية لحرفك الجميل ، سيدتي ، و أتمنى لك كل النجاح الممكن في عالم الشعر .
... بقلم : نون حاء

ليست هناك تعليقات:

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...