ديباجة
*****
ترانيم نقيّة في عالمٍ معتم ... هكذا تتغنّى الشاعرة
العامرة الفاضلة " خديجة بوعلي " النازحة من بلدة الفن والجمال ، محمّلة
برسالة رشيقة تُقيم العرس المتخيّل بين اللفظةِ و بُعدها الزّئبقي ، لترقص
انزياحات التعبير على شرف هذا الفرح السديمي رقصة الحياة المفعمة دائما بالتّوق
إلى الكمال الممكن في عالم شعري ممكن ، يتشخص لنا عامراً تحت وسم " أحلام
بلون الشفق " .
" أحلام بلون
الشفق " ديوان موسوم بالأثر النسائي في كتابة نوعية تدخل نسغ الابداع من
بوابة واسعة ، لا لتشارك فحسب ، و إنما لتفرض صوتها المميز بالهمس المنسرب في
ثنايا الوجدان ... ديوان يسافر في إحدى و عشرين محطة ، كل محطة قصيدة ، وكل قصيدة
عالم يؤسس لفعله الشعري الخاص المتداخل في عبقرية ماتعة مع عوالم أخرى تمارس فن
الضغط النّاعم على الرتابة كي تنزاح خارجاً عن الوهج المبارك و الأصيل في هذا
العمل الابداعي المحلّق .
وقبل التوغل في
مفردات هذا الديوان تباغتنا الشاعرة بقرار حرفها أين يتشكل ، وتختار له صهوة الأمل
تركبها فارسة راقية المركب ، لا تُشهر في وجه العدمية المقيتة إلا سيف الابتسامة ،
تدْرعُ ممرات الخيبات ، تغْزِل فيها خطْواً منساباً لأشكالِ الفرح الجليلة ، في
اعتناقٍ جميل لفلسفة النّور .
هو الدّيوانُ كله
يتحرك داخل هذه الحساسية الشعرية ، تقْضِم من بُؤرِ الذات أبعادها الإنسانية
المترنحة بين الانتظار المفعم ، و الحب العارف ، و الانكسار المعلّم ، و المساءلة
الذكيّة لسلطان الزمان ، و لفوضى المدينة ، من مشكاة السؤال الثائر في نعومة ،
ترْبتُ على ظهر الفراغ كي يمتلئ عنفوانا مطلوبا ، يفضحُ قرارَ الشاعرة المتواطئة
مع الربيع و هي تهرِّبُهُ من لحظات الاحتضار في زحمة الضياع الخارج من مفهومه
الرومانسي الحالم في طوباوية مجانية ، الى
مفهومه الحضاري الباني لرؤية فنية نسقية .
هكذا تمسك الشاعرة
" خديجة بوعلي " بموضوعات شتى تتأرجح في أراجيح التنوع والتعدد "
التيماتي " داخل خيط فنّي رؤيوي واحد و أوحد ، هو مدخل المعانقة لا التخلّي .
تعانق الشاعرة
الذات في علاقتها بالموضوع داخل تشكيل شعري انسيابي يمتلك حسا جماليا مسؤولا ،
يقدّر اللغة في جلالها الواصف لسيمياء الجاذبية الفنية و هي تمارس على المتلقي
نوعا من التواطؤ اللذيذ ، فتقحمه في عوالم الذات لا ليستمتع بتجليات هذه اللغة
الجمالية فحسب ، و إنما ، و أساسا ليكتشف قدرة هذه اللغة على تشخيص المجرّد
المشتعل القابع في دواخل المتكلمة انطلاقا من التوظيفات الذكية لممكنات الاستعارة و
هي تشرح في تؤدة مجموع التحولات المطرّزة لجغرافيا الجسد والروح .
و هي جاذبية
تتغيّى الفكرة قبل الإثارة ، و المعنى قبل الانفعال ، و الصورة الذهنية قبل الصورة
الجمالية ، دون ادّعاء أن الشاعرة تفتك بالبعد الفني على مقاصل الرؤى . و هو البعد
الحاضر بقوة في هذا المسار الشاعري العامر بالضوء ، عبر مجموعة من الاستعارات
والانزياحات الذكية وال ماكرة في آن . و
يتجلى مكرها الممتع في استنطاق كل الطاقات الممكنة في القارئ كي يتتبع التوليدات
الفنية الظاهر منها و الغابر ، و هي
التوليدات نفسها الحاملة لفكر القارئ من ضفاف الاستهلاك المعنوي إلى التفاعل
الدلالي و منه إلى ممكنات الإنتاج ، على اعتبار أنّ القول الشعري هو القول المنفتح
الرافض لأسوار الانغلاق و القابل للتناسل في إبهار ، و التوالد في إدهاش ... و هو
محطات فنية تتلاقح فيها إرادتان : ارادة المبدع من حيث هو صانع للدهشة ، و ارادة
المتلقي من حيث هو مبدع فانٍ يحاول استشراف آفاق القصيد عبر مهارات و تقنيات و
موهبات التأويل .
من هذا الفيض
الفني غيضٌ للمثال لا للحصر ، و فيه تنتصب الشاعرة " خديجة بوعلي "
ذاتاً مالكة لسلطة الفعل الشعري عبر قرار جميل يضع الفكرة النبيلة في قالب فني
أنبل { صهوة الأمل أمتطي – أرقص على جدائل الشمس – أغرس الوشم ياسمينا – سأقاطع
حظي المتعثر – أتوسد الوهم و الآه ... } تحتل فيه الاستعارة النصيب الأوفر و
تتجاوز فيه الوظيفة الجمالية الإمتاعية إلى وطائف أخرى ترتبط بغائية قصائد الديوان
المختلفة باختلاف سياقاتها .
كما أن الشاعرة
حرصت في هذا الديوان على التنويع في البؤر الأسلوبية ، بين الاسلوب الانزياحي الذي
تكتظ فيه العلامات السيميائية الدالة و البعيدة المأخذ ، و بين الأسلوب البسيط في
غير مباشرة أو ابتذال و إنما في بساطة محمّلة بالكمائن اللغوية الممتنعة على القبض
... و تظهر هذه الخاصية في القصائد البانية أنساقها على تمظهرات الفكرة قبل
الجمالية ، و منها قصيدة " أراك " حيث جمالية التكرار الوظيفي تقول
كلمتها في توليد الدلالات و الأبعاد .
لم يخْلُ الديوان
ايضا من تعدد الاصوات أو ما يصطلح عليه في أذبيات التفكيك بالتناص ، و هو نتاص
متعدد المرجعيات نذكر منه ما يرتبط بالموروث المسكوك و نجد مثالا له في قول
الشاعرة في قصيدة " مدينة الحب " { كل الطرق تؤدي إلى هواك } ... ز منه
التناص الديني و المتمثل في قصيدة " آه منك يا زمن " حيث قالت الشاعرة {
على شفا جرف من النسيان " وواضح هو التناص هنا مع القرآن ... وهذا التناص مظهر
من مظاهر التفاعل مع الذاكرة الجمعية في تنويعاتها الممكنة ، تغني الديوان و تثريه
دون المساس بأصالة المبدعة و خصوصيتها في بوحها الموسوم بنبضها الخاص .
لا أقدم في هذا
المقام قراءة أو مقاربة للديوان و إنما ديباجة تفتح شهية من يريد التوغل في بنيات
الديوان العميقة لاستشراف آفاق أخرى كامنة فيه ، و حسبي من هذا أنني جالست الشاعرة
الفاضلة " خديجة بوعلي " في هذه العجالة عبر مجموعة من الملاحظات هي في
طبيعتها الأصل أسئلة أكثر منها تأويلات . و لعل القادم من الرؤى النقدية كفيل
بتغطية مناحي " الشعرية " في الديوان .
و في الختام ،
أقول ، إن الفاضلة " خديجة " شاعرة تحمل في يقينها الفني قدرة مبهرة على
العوم في جلال اللغة ، وفي جلال اللفظة و معناها ، وفي جمال العلامة و مغزاها ، و
في صوغ الدهشة الشعرية بأنامل مقدودة من خزامى راقية العرف ، زكية العبق ، تعِدُنا
ببساتين أخرى يشرئبّ فيها الزهر بأعناق طويلة لظلالٍ أطول .
تحية لحرفك الجميل
، سيدتي ، و أتمنى لك كل النجاح الممكن في عالم الشعر .
... بقلم : نون حاء

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق