/ من المثالي إلى الصعلوكي في الأدب ؟ ! ../
بقلم ، محمد الطايع .
في العصر الجاهلي ، في شبه حزيرة العرب ، كان المتمرد على أعراف القبيلة ، يسمى صعلوكا ، فهو إما هارب ، أو طريد ، أو بغيض ، بيد أن روح التمرد هذه ، لم تكن مجرد عشق للتمرد في حد ذاته ، بل كانت أشبه بحركة فكرية فلسلفية ، ذات بعد عميق ، وأكثر من هذا كانت تحقيقا للذات ، وانزياحا نحو الحقيقة الإنسانية ، خروجا بطوليا من حالة التهميش ، ووقوفا وقفة الأحرار تحت شمس الجهر بأحقية الإنسان في التعبير عن ذاته ، لذلك جاءت قصائد الشعراء الصعاليك ، من أروع الشعر واعذبه في ذلك الزمان حيث كان الشعر ديوان العرب وحامل اسفار بطولاتهم ، ملاحمهم وامجادهم ، واحوالهم المعيشية .
الصعلوك رجل يكاد يكون بلا أخلاق ، شخص داعر لايعطي للعادات والتقاليد وزنا ، بل ان هويته تتجلى في رفضه لكل ماهو سائد ، لكن عندما ننظر الى مجموع خطابه ، نستغرب ، كيف لنا ان ننزع صفة الاخلاق ، عن رجل رفض الذل والتبعية الجوفاء ، رجل يمتهن السرقة نعم ، لكنها سرقة بطولية ، انها في نفس الوقت احقاق الحق بشكل غير شرعي ، لأنه حين تختل الموازين ، لابد ومن صميم الطبيعة البشرية أن يظهر اناس يحملون على كواهلهم عبء احقاقها ،
جميعا نعرف أسطورة ( روبين هود أمير اللصوص ) ونعرف كيف كان يسرق من الاثرياء والنبلاء ويعطي الجوعى والمشردين والفقراء ، روبين هود كان في الأصل من علية القوم ، ولكنه يشعر وبإحساس عميق ان انتمائه كان للطبقة المسحوقة ، وهو بهذا كان يعتبر فعله جهاديا مشروعا ، كما فعل رواد قراصنة البحر العرب ( علي بلحاج ) و( بيشر الديك ) كما ان الاخبار البحرية التي تروي احداث المعارك التي دارت بين الاساطيل البريطانية ، والقرصان الكارايبي الشهير ، ( بلاك بييرد ) الرجل ذو اللحية السوداء ، اسهبت كثيرا في ذكر احوال طاقم سفنه الرهيب ، والمشكل غالبا من جزء كبير من العبيد السود الأفارقة ، الذين كانوا يقبلون وبطواعية ان يشتغلوا معه ، انتقاما وثأرا من الأوروبيين النخاسين الذين كانوا يصطادونهم في الغابات اصطياد الوحوش ، ويحملونهم في السفن المتوجهة الى الارض الجديدة ، التي اهلك الرجل الأوروبي ، زرعها ونسلها الهندي الأحمر ، لكي يعيشوا عبيدا في المزارع ، إلى أن ظهر العدل على يد العظماء ...
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في جزيرة العرب وبراهام لينكولن ، في امريكا ،
والكثير الكثير من الابطال العظماء الذين نشروا في اوروبا ، معنى المساواة والتحرر ،
محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في جزيرة العرب وبراهام لينكولن ، في امريكا ،
والكثير الكثير من الابطال العظماء الذين نشروا في اوروبا ، معنى المساواة والتحرر ،
ومن هنا ، نكتشف ان الصعلوك ، لم يكن مجرما بالمعنى الصحيح ولا الصريح ، فهو انتاج ضروري لمرحلة ما قبل النور ، وهو حين يعطي لنفسه شرعية السرقة من الاغنياء ، فلانه يعرف وعن قرب انهم لم يجمعوا اموالهم من قبل الا بالسرقة ، وهو ايضا حين يعطي مسروقاته ويتصدق بها على الفقراء ، فهو بذلك ، كالذي يقول علنا ، هؤلاء هم الشعب ، هؤلاء هم الرعية ،
وهذا ما اشتهر به زعيم الصعاليك ( عروة بن الورد ) العبسي ، ومن المعروف ايضا ان الصعاليك كانوا ثلاثة طبقات ، المتمردون على الثقافة القبلية ، وكانوا ينطلقون من مبدأ الرفض وأشهرهم / حاجز الأزدي / وقيس الحدادية / والبراض بن قيس الكناني/
وكذلك اولئك الذين كانت أمهاتهم حبشيات ، كما هو الشان بالنسبة لعنترة بن شداد العبسي ، الذي اشتهر بالشعر وبالشجاعة ، وان يكن عنترة قد التزم بالاعراف وخضع لها ووهب حياته للضفر بالمجد التليذ تحت راياتها ، فان غيره ساروا على منهج التمرد على تلك المنظومات التي حقرتهم في البداية ، ولم يضطروا انفسهم للدفاع عن الذين كانوا سببا في اهانتهم كما فعل عنترة ، واشهر هؤلاء ، الشنفرى ، وتأبط شرا ..
واما الطبقة الثالثة ، فكانت تتشكل من رعيل من الصعاليك ، الذين ظلوا تحت حمى القبيلة ، مرغوبين ومفضلين ومحفوظ لهم الولاء والمجد ، فكانوا يرون ان النهب والسلب مشروعا ، من اجل سد اود القبيلة ، فكانت حرفتهم السطو على القبائل الاخرى والقوافل ، وهذه كانت حالة العرب عامة في الجاهلية ، وفي سيرة عنترة مايشهد بذلك ، حين نتحدث عن غزوة طييء لقبيلة عبس ، واشهر هؤلاء الصعاليك الذين اعتمدوا الصعلكة مذهبا ، عبروا من خلاله عن قيم الشجاعة والبأس والإيباء والشهامة ، والفروسية ، كان عروة بن الورد بلا منازع ..
هذا كان بالنسية للشعر ، اما بالنسة للرواية ، فنحن ملزمين بالبحث في الادب الغربي ، باعتاره الرائد في هذا المجال ، هذا طبعا ان لم نعتبر مقامات بديع الزمان الهمداني ، رواية صعلكة بدرجة امتياز ، ونحن نتابع مواقف الشيخ الغامض الذي يرتحل في الارض وشعاره ، هذا الزمان يدور ، فدر معه كيف يدور ، اي انزع عنك رداء الاخلاق الرفيعة ، انه الشاطر ، ابو الفتح الاسكندري ،
روايات الشطار في الغرب ، ابتدأت في اسابانيا تحديدا ، وذلك على يد كاتب مجهول ، الف رواية
الشطارية الأولى في الأدب الإسباني بعنوان : (حياة لاثاريو دي طورميس وحضوضه ومحنه)
الشطارية الأولى في الأدب الإسباني بعنوان : (حياة لاثاريو دي طورميس وحضوضه ومحنه)
ثم انتشر هذا الادب في اوروبا قاطبة ، بسبب الاوضاع المتردية التي كان يعانيها عامة الناس بينما كان الاثرياء والنبلاء يعيشون في بذخ ونعم لامجال لقربها او تشابهها مع حياة الفقراء ،
وطبيعي ولان الادب ، هوية الاديب ، والشاعر او الكاتب ابن بيئته ، فانه من الظروري ان يكون ادبه متكلما باحواله واحوال الطبقة التي ينتمي اليها ، ولنا في العملاقين المغربيين محمد شكري ومحمد زفزاف خير شاهد على ذلك ،
ومن هنا نرى اهمية طرح هذا السؤال ، كيف يرى كاتب ما ، قدرته على استقطاب جمهور القراء ، في المغرب في الفترة الراهنة ، وهو يتحدث عن عوالم سوريالية ، او يطرح مثاليات متناقضة تماما مع واقع الحال ، او يشنف اسماعنا ، بغراميات بائسة في زمن اللاحب ، او يتلو علينا ايات الكلمات النخبوية ، وهو موقن اشد اليقين ، ان ثمة فجوة عميقة جدا ، بين مايجب ، وما هو كائن ، فما احوجنا الى ادب صعلوكي ، بكل معنى الكلمة ، ما احوجنا ، تحديدا ، الى لص يسرق من امهات الكتب والموسوعات العلمية الباذخة ، درر الحكمة والعلم والثقافة والادب ، ويجعلها في متناول ، افراد شعب أو امة لاتقرأ ...
يقولها صباح مساء ، ولا تصدر عنه اية محاولة للتقرب من هذا القاريء ، من همومه ، واحلامه ، فلقد اصبح الكتاب مخيفا قبل كل شيء ، لان القاريء يعتقد انه ما ان يفتح صفحات كتاب ، حتى ينهال عليه الكاتب تقريعا وتوبيخا ...
شكرا ...

هناك تعليقان (2):
رائعه يا استاذ محمد
أخي محمد الطايع ،أولا وقبل كل شيء أشكرك جزيل الشكر على هذا الطرح الغني والذي وضعت يدك فيه على مكمن الضر في أدبنا الحاضر .كما أن نظرتك للأدب الصعلوكي مثيرة للإهتمام حيث اعتبرته أدبا خلاقا بعيدا عن الأعراف والتقاليد الشيء الذي اكسبه شهرة ومده بالقوة التي هو عليها إلى الآن .
سؤالي لك هو كالتالي :هل نحن بحاجة بالفعل الى من يسرق من أمهات الكتب أم إلى من يخلق منهجا جديدا في الأدب ؟؟
تحياتي واحترامي لك أستاذي المبدع
إرسال تعليق