الحسين بنزهرة
************
" الكلام الـــذي لا يمــوت "
*********************
مُـــــراســـلات أدبية :
رسالةُ إلى الأستاذ الناقد : سعيــد فرحـــاوي .
بسم الله الرحمان الرحيم
كثير هو الكلام الذي يموت بعد تلفظه ، إنتاجه ، وكثير هو الكلام الذي يموت قبل تلفظه ، إنتاجه ، باعتبار مقصد المُنتج لهذا الكلام ، وباعتبار فهم المستمع / القارئ لهذا الكلام ، وباعتبار السياقات المختلفة ، المتعددة التي تحكم وتضبط فعل الكلام .
إن الكلام متعدد تعدد اللسان ، ولكن ليس كل كلام يُشتهى ، ولا كل كلام يُرغب فيه ، وقد حدد القرآن في سياق الكلام العادي ، الكلام التواصلي اليومي قاعدة تميزية ، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ، أي : ميزوا الكلام وفحصوه ومحصوه .
غير أني لا أريد الحديث عن الكلام اليومي ، المعطى العام ، المشترك بين أبناء العشيرة اللغوية المعينة ، بل أريد الحديث عن الكلام الذي يخرق الكلام ، والكلام الذي يخلُق روحا في الكلام ، أي يعطيه صبغة الروح الإنسانية القوية ، بعدما كان يمثل المعطى الفردي ، فينتقل من حدود الذات المنتجة إلى أقطار المستقبلة .
أريد أن أحدثك ، سيدي سعيد فرحاوي ، عن الكلام الشعري العربي الذي لا يموت ، والذي لن تطاله لفائف التحنيط في الذاكرة الشعرية أبدا .
هذا وقد مات كلام شعري غزير ، وباد كلام أدبي كثير ، ولم يُهتم به ولا التفت إليه ، لأنه ظل حبيس أسوار اللغة ، وبقي أسيرا في قيد المصلحة الفردية ، واستعملته أنفس لنفسها ، فكان منه الأدب التجاري ، الذي يفتح دكانا لبيع الكلام المزوق ، والذي يشتري من الناس دراهم معدودة مقابل صُنع الكلام ، وأعني به : الشعر التكسبي ، والأدب الذي عاش في طباوية ، وكان صوتــا طيعا طائعا لصوت الأمر / الأوامر التي لا ترحم الشعب ، ونسى أو تناسى أصحابه أنه كلام لن يعيش ، بل هو كلام يموت ولا يرضى حر بتخليده ، بتخليده في الوجدان ، وكتراث نضالي من أجل هموم الشعب ، فلا عاش القلم الخائن .
لقد مات كلام كثير ، سيدي سعيد فرحاوي ، وباد ولم تعد الأجيال تهتم له ، ولا به ، ولا تعطيه أي قيمة ، لأنه أدب أنتجته أنفس لا ضمير لها ، لأنها اختارت المتعة الفردية ، واللذة الفردية ، متناسية ، ومتجاهلة العذاب الجمعي ، والقهر والذل الجمعي ، والظلم والفقر الجمعي ، وما كان على الأجيال إلا أن ترميه في قمامة النسيان ، بل إن الزمن نفسه يقوم بهذه المهمة ، ولا يُخلد في ذاكرته إلا من هو أهل للتخليد .
مات إذا الكلام الميت ، مات ولا حُزن عليه ، لأنه قبل موته كان في موت . وها نحن أولاء في قرن آخر بعيد عن عصور الأدب العربي المتقدمة ، ولم تعد الكلمات تُوزن بمقاييس التكسب أو عدمه ، بل أصبح المقياس هو الالتزام أو عدمه. فلا عاش القلم الخائن .
فالكلام الذي لا يموت ، هو كلام يعلو على القيد ، كلام يرمي للتجديد ، ولا يقف أمام باب الدرهم والدينار ، بل يعبر عن صميم المعاناة الجمعية ، ويكون لسانا ناطقا عن قضايا الشعب ، وهموم الشعب ، ومشاكل الشعب التي لا تعد ولا تُخصى ، وهذا الأدب هو القمين بالتخليد ، وأن يكون أدب الأمة الذي لا يُنسى ، لأنه كلام لا يموت ، بل تظل الذاكرة تنفخ فيه الروح القومية إلى أبد الآبدين .
الكلام الذي لا يموت : كلام يصور حال الشعب ، ويعبر عن موقف المبدع العربي من : الإنسان العربي ، من مشاكله الكثيرة المتنوعة ، من همومه الفردية والجمعية ، من تخبطه في السير ، من محالك المسالك ، ومهالك المسالك ، من ظلام السبيل وديجوره ، من موت الضمير وسباته .
الكلام الذي لا يموت : كلام يسمع لأنين المعذبين ، وآهات المتألمين ، ويسجل ذبذبات صراخ الشعب ، ويكون ردارا يلتقط أدق التفاصيل في خريطة الشعب المقهور المهزوم
يقول الكاتب / الناقد المغربي ـ أحمد المعداوي المجاطي ـ : " ما أراده الشاعر الحديث هو أن تصبح كلمته سيفا ، يُشهره في وجه الظلم بكلمة واحدة ، لقد أراد الشاعر أن تصبح كلمته قوة وحركة وفعلا ، ولكن الأيام الجهمة ، لم تلبث أن حولت الكلمة على لسانه إلى حجر "... ( ك : " ظاهرة الشعر الحديث " ص : 79)
في صلب النكبة والنكسة العربيتين ، حاول الشاعر العربي أن يخلق من كلامه حياة ووجودا ، أن يثور بكلامه ، أن يكون كلامه سلاحا من أجل التنوير والتحرير ، ومن أجل نشر كلمة الحق ، وأن يكون كلامه في صف الشعب المقهور ، مع الطبقة ذات الصوت الضعيف الذي لا يُسمع .
ونحن يا سيدي ، سعيد فرحاوي ، نحس من كل أعماقنا ، ونشعر شعورا واعيا أن أمتنا العربية اليوم في أنكس نكساتها ، وأنكب نكباتها ، ومع هذا الشعور وهذا الإحساس : ينبلج لنا واضحا تنكب الأدب العربي اليوم عن مقصد الثورة من أجل التغيير ، والقومة واللحاق بالركب العالمي ، أي : لم تعد الكلمة سيفا بل مُسخت خشبة هشة لا تُكسر عدوا ولا طوبا ، إنها عصا يهُش الشاعر بها على بقايا وطن منهار ، مُنهزم ، مغلُوب على أمره .
إن كلام الأدب العربي اليوم : إن لم يسجل هموم الشعب العربي ، ويصور آلامه ومعاناته التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا ، إن لم يقم بهذه المهمة ، فمصيره مصير الكلام الذي لا يعيش ، ومصيره مصير الكلام الذي يُنسى ، ولن يكون إلا عارا لغويا يجر الويل والثبور على أصحابه ، فلا عاش القلم الخائن .
فالكلام الذي لا يموت : هو كلام ينبعث من صميم الشعب ، وأمتنا العربية اليوم تعاني وتقاسي ، ولا بد من أن يكون أدب منفرد ، مستقل ، يرصد آلامها ، وهمومها ، وأحزانها التي لا تعد ولا تحصى ، لا بد من أن يكون الأدب هكذا : وعيا اجتماعيا ، ولا عاش الأدب الذي لا يصور معاناة أمته ، ولا عاش الأدب الذي يحلق في سماوات العالم المثالي ، ولا يغترف من معين الواقع الامبريقي .
وجود " داعش " في الجسم العربي ، كان أقسى وأمر من النكبة والنكسة ، فقد تخلخلت معايير شتى ، وترجرجت قيم لا تعد ولا تحصى ، وصار الإنسان العربي اليوم تائه لا منار نور يهديه ، ولا قنديل يهديه سُبل السلام ، بل إنه في صراع مرير مع نفسه ومع غيره ، إنه يعاني ويقاسي .
إن الكلام الذي لن يموت : هو الكلام الذي يصور لنا تجليات الدمار على النفس الفردية والجمعية ، هو الكلام الذي سيخلق فينا كأبناء لهذه الأمة الروح القومية القويمة ، ويدعونا إلى الوقوف وقفة رجل واحد، وإلى أن نتجند ونكون أصحاب كلمة واحدة .
الكلام الذي لا يموت : هو كلام يقول : كفى ظلما ، لا بد من سمع صوت الشعب . ولا عاش القلم الخائن .
قالها أدونيس إبان النكبة والنكسة ، يا سيدي ، سعيد فرحاوي :
لغتي تنوء كأن فوق حروفها حجرا وطين
فبأي جائحة أطوف ، بأي موج أستعيـــن ؟
وليستعن الشاعر العربي اليوم ، بأي موج يريد ، على ألا يكون موجه يُغرق الشعب ولا يعينه ، ويقتل الشعب ولا يحييه ، فالموج الذي نريد هو الموج اللغوي القاهر للظلم ، المُكسِر لجبروت القهر والفقر والذل ، المعبر عن أزمة أمة ، الخالق لفضاءات تحررية ، المصور لحالات التيه والضياع التي تعيشها الذات العربية ،/ الغربة والضياع تارة أخرى ، لا بد من خلق كلام لا يموت ، مثل كلام : أحمد مطر ، ومحمود درويش ... ولائحة الكلام الحي تطول ..
الكلام الذي لا يموت قليل في أدبنا العربي اليوم ، بل إنه صدى همسات لا تكاد تُسمع ، فأذن المتلقي لا تسمع إلا بهرجة لغوية قطرية محدودة ، في حين أن الكلام الذي لا يموت : ينبغي له أن يعبر عن قضايا الأمة العربية كلها . فلا عاش القلم الخائن .
واسلم لأخيك سيدي سعيد : الحسين بنزهرة .
والسلام عليكم ورحكمة الله تعالى وبركاته ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق