musique

الخميس، 23 أغسطس 2018

مـــــراسلات أدبيــــــة :

مـــــراسلات أدبيــــــة :
بمدينة : القنيطرة
إلى الفنان :محمد علي سعفان
بســـم الله الرحمان الرحيم :
كل الناس تتكلم بالفم؛ ولكن آحاد من يتكلم من روحه وبروحه؛ وكل الناس تدير الكلام باللسان؛ ولكن قلة من يصنع الكلام بلحمه ودمه؛ وكل الناس تخلق الصوت من الحنجرة؛ وهناك من يأتي بالصوت من صميم ذاته؛ فيكون صوته بعض ذاته ؛لأن ذاته في صوته؛فعجيب شأن الصوت عجبا لا ينتهي.وقد سمعت من سعفان منطقه؛ بل سمعت وحي ذاته مترجما بصوته، فكان منطقه صنو منطوقه؛ وكان صوته تصويت لما في ذاته؛ فأي سحر اشتمل عليه الصوت السعفاني؟ وأي ذبذبات ترسلها روحه إلى روح مخاطبيه، فتنفخ فيهم نفخة تجري جري الدم في العروق؛ فإذا روحه هي هي لسان باطنه؛ وإذا روح مخاطبيه هي هي آذانهم التي بيها يصغون له. ولست أدري أي سحر في صوته؛ ولست أدري أي لذة في صوته؛ فكل ما أدري أني لا أدري كيف أخضع لسلطانه، وكل ما أدري أني أخرج من حياة إلى حياة، وصعب علي تفسير ذلك، فصوته ينقلني من طقس فيه أنا وهو ؛ إلى طقس مغاير ليس فيه إلا ... إلا صوت روحه؛ولعل بعض الأشياء لذتها في غموضها! فصوته يمتزج بالنفوس لنفاسته، ويشرب بالقلوب لسلاسته، فكم عبت روحي من فيض صوته؛ وكم عشت دقائق في كون نطقه. سعفان ـ في نظري ـ يجعل الصوت إحساسا؛ ويصير نطقه من ذبذبات صوتيه إلى حالات نفسية؛ فيكون صوته هو حالته النفسية التي تغير في نفس مخاطبه، وسعفان أدرى بما أقول؛ فلن يتغير النص المكتوب إذا نقلناه إلى صوت، أو أحلناه صوتا،ولكنه يتغير إذا نفخت فيه روح صافية سرها؛ وبعتث فيه نفس جميلة سحرها؛ وعندي أن فتنة الصوت السعفاني من هذا الباب، فهو يتحدث بما يجد في ذاته؛ ويتكلم بلسان باطنه؛ على ذلك يأتي صوته فيه سحر لذيذ؛ أو فيه لذة ساحرة؛ وينقل النفس المخاطبة إلى نفسه المتكلمة؛ فتعيش الأنفس فيه وهي تسمع له، وتحيا الأرواح معه وهي تأخذ منه؛ ولن يكون الصحفي أو المعلق الصوتي ، خالقا في هذا المجال إلا بثلاثة أمور كاملة مجتمعة :١\ بصوته الذي يصل بينه وبيه مستمعه؛ أي صوته الذي يوصل أفكاره إلى من يصغي له.٢\ بروحه التي تخرج صوته من صوت ذاتي وتجعله صوتا كونيا؛ أي صوتا تتشارك فيه الأنفس؛ فيكون الصوت كأنه انبعث من نفس واحدة؛ وكأنه صوت ترسله ألسن مشتركة؛ لما في هذا الروح من سمو المطمح؛ ونبل الغاية؛ وحسن النية والطوية، والصوت الحق يجري في الكون: كجريان الخلايا في الجسم؛ فقد يكون المعلق الصوتي فرنسيا؛ والمستمع عربي لا يفقه اللسان الفرنسي؛ ومع ذلك تلفاه يسمع له كأنه يفقه قوله؛ ولست أفسر ذلك إلا بأن في الصوت روح مشتركة تتحدى اللغة والنطق.٣\ المعرفة الواسعة؛والشغف بالقراءة ؛ والبحث الدائم عن الجديد؛ ولن يكون المعلق الصوتي مجيدا إلا بهذا القيد؛ وإلا فإنه سيصبح مهرجا بكلامه؛ أو بائعا لصوته بأقل الأذواق. وقد يكون سعفان معلقا عاديا عند غيري؛ ولكني أراه معلقا صوتيا فريد من نوعه؛ لأني أقيس مهارته بمقاييس روحي؛ وليس لي من عدة ولا عتاد في هذا الباب؛ . اللهم بعض الزاد المعرفي من علم اللسانيات. وشيئ يسير من مطالعتي المتواضعة جدا. أنا هنا أتكلم على سعفان المأثر؛ سعفان الذي يرسم بصوته إحداثيات النفس وحالاتها الجوانية الوجدانية؛ والذي يلون كون الروح بنطقه العذب ، وهذا النطق من ذاك الناطق؛ الناطق السعفاني الخالق من صوته أحاسيس، فينبعث الصوت منه كأنه ينبعث من السماء .طلبت من سعفاني يوما أن يسمعني قطعة من كتاب" حديث القمر" بصوته فأسمعني؛ وكنت قد قرأت الكتاب قبل؛ فكان الكتاب بصوت سعفان كتاب آخر لم أقرأه ولا مرة؛ فقد قرأت " حديث القمر" مكتوبا ، وهاهو ذا يقرأني منطوقا بصوت سعفان؛ ويطالعني مطالعة الروح للروح بنطق هذا الصديق المبدع؛ كنت قرأت الكتاب بعيني؛ وتلذذت بحروفه وخطوطه قبل معانيه؛ فإذا بسعفان يخلق لذة الكتاب في سمعي؛ وإذا سمعت أذني صوته فهي تسمع روحه تتكلم في صدره، وهذه أبلغ نقطة تصل لها روح المستمع؛أعني: حلول صوت المعلق الصوتي في ذات مستمعه.وأذكر ذات يوم أني اجتمعت وبعض الطلبة في بيتي؛ في القنيطرة، واسمعتهم شريط فيديو لصديقي علي سعفان؛ وكان عنوانه " نعمة المرض" فرأيت القوم يصغون كأن فوق رؤوسهم الطير؛ فلا تسمع منهم إلا لغة الملامح؛ فأدركت يومئذ سلطة الصوت السعفاني؛ وكان حبي له آنذاك فوق الحب، فقد أكبرني الطلبة وافتخروا بي أن يكون لي صديق كسعفان؛ وأنا كنت أقول لهم في نفسي: " بورك في هذا الصوت السعفاني إلى الأبد".وخطر في ذهني ما أحفظه للشاعر النحرير " الصابئ" فاستشهدت به :
لك في المحافل منطق يشفي الجوى ويسوغ في أذن الأديب سلافه
فكأن لفظك لؤلؤ متنــــتخل ـ وكأنما آذاننا أصــــــــــدافه
ففي صوت سعفان سحر وسر ، سحر يقلب حالة النفس ؛ يغيرها من شعور إلى شعور؛ ومن إحساس إلى إحساس؛ فلكأن في صوته بعض ما في أنفس مخاطبيه؛ ولكأن أنفس من يسمع له تريد أن تفنى في سمع ما تسمع؛ ولا تريد أن ينتهي ما تسمع؛ وتحب أن يخلد هذا الصوت الشجي العذب المنزل من سموات الروح السعفانية؛ ليبقى فيها بعض من آثار ذلك الصوت؛ ولتبقى هي في حبل موصول مع لذة الذبذبات الخالقة ؛ وعجيب هذا فوق العجب يا سعفان؛ فكأن صوتك كهرباء سارية في أوصال من يسمع منك؛ وفي عروق من يصغي لك؛ ومن يدري؛ ومن يفسر هذا العجب: فلعل صوتك يتحول فينا إلى مادة روحانية رقيقة؛ أو يحول أنفسنا إلى مواد روحانية رقيقة؛ أو يخرج أنفسنا إلى حالة من السكر والغيبوبة عن المادة وعالم المادة؛ ويدخل بها إلى فضاء التلاقي الروحي؛ والترقي في معارج الروح بصوت روحك. دعاني الأديب ؛ الشاعر؛الصحفي المبدع" علي سعفان" إلى بيته ذات مرة؛ وبيته مختبر عمله وأعماله؛ فشهدت ساعة ميلاد عمله الجميل" الخيانة الزوجية"؛ فكنت أنظر إليه وأتبين لصوته في مسمعي صوتا آخر؛ فكان يقطعه ذلك التقطيع؛ ويمدده ذلك التمديد؛ وصاح في قلبي وجوارحي؛ وساقني إلى معانيه بصوته؛ وجرني إلى نطقه بألفاظه؛ وسعفان كما قيل:
تزين معانيه ألفاظه وألفاظه زائنات المعاني.
فمزيدا من العطاء أيها المبدع، ومزيدا من الحلم العملي؛ ولا تفرغ كبسولتك الروحية من الأحلام أبدا، واسقنا بصوتك الريان.
واسلم لحبيبك وصديق عمرك : محبك الحسين بنزهرة
2 فبراير 02:23 م

ليست هناك تعليقات:

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...