" القـــلم والألـــم "
مُـــــراسلات أدبية
رســالة إلى الأخ : عبد القادر بوبول
بسم الله الرحمان الرحيم :
رســالة إلى الأخ : عبد القادر بوبول
بسم الله الرحمان الرحيم :
سيدي الفاضل ، عبد القادر بوبول، بعيدا عن حديث الدين ، وقضايا الدين ، أريد أن أحادثك حول أدبنا العربي ، وللأدب شجون يا سيدي ، أريد أن أجالسك في مائدة أدبية لذيذة المشرب والمطعم ، فهلا قبلت ضيافتي المتواضعة سيدي .
أريد أن أحدثك عن كلام القلم ، القلم الذي كان يصنع ويبتكر ، والذي غير مجرى التاريخ البشري ، ونقله من وضع بدائي إلى وضع آخر ، ولكني سأحصر الدائرة على القلم الأدبي العربي ، لأن دائرة الأقلام واسعة متشعبة ، لا طاقة لي بجمعها وتجميعها .
وسأحدثك عن " القلم والألم " لأن الأقلام كذلك لها شؤون ، ولها مسالك ومسارات ، بل إن القلم يناجي ربـه : " هدنا الصراط المستقيم " ، فاشرح صدرك سيدي لكلامي ، وتقبل قراءتي المتواضعة لبعض قضايا أدبنا العربي اليوم ، وما أكثرها .
وسأحدثك عن " القلم والألم " لأن الأقلام كذلك لها شؤون ، ولها مسالك ومسارات ، بل إن القلم يناجي ربـه : " هدنا الصراط المستقيم " ، فاشرح صدرك سيدي لكلامي ، وتقبل قراءتي المتواضعة لبعض قضايا أدبنا العربي اليوم ، وما أكثرها .
فلكتابنا اليوم القلم الغائب ، ولشعرائنا اليوم القلم الغائب ، كما كان لشعرائنا وكتابنا في الأمس القلم الأعلــى ، فهم يصوغون لنا كلاما معجزا من اللغة ، يطرزون لنا أشكالا لغوية لا قبل لنا بها ، أي أنهم يصوغون من المحدود اللامحدود ، ومن المتناهي اللامتناهي، إنهم يخلقون الحياة في لغتنا العادية ، لغة التواصل اليومي ، ويجعلون من المألوف غريبا ، هكذا هم يصنعون : يُضفون على العادي صفة الغرابة .
كان لكتابنا وشعرائنا قلمهم الأعلى ، ذاك القلم المؤسس بالأساس على الثقافة الشفوية ، الثقافة التي توظف اللغة لأجل الكلام ، أقصد : توظف النظام / النسق من أجل الإنتاج الفني ، والقلم الأعلى هو اللسان في الذاكرة الأدبية القديمة / العتيقة ، فكل ما أنتجه العرب في جاهليتهم ــ تقريــبا ـ كان ينتشر باللسان / الكلام ، إن اللسان هو صحافة ذلك العصر ، هو دور النشر التي كانت تعمل على ربط الأديب بالمتلقي ، فالنص الأدبي ، شعرا و / أو نثرا ، كانت قناته الناقلة هي اللسان ، فالنصوص الأدبية إذا ، كانت تنشر باللسان لا بما تخطه اليدان .
وقد كان لهذا القلم / اللسان دوره و وظيفته ، فعْله الذي ينفعل به المتلقي / المستمع ، وهذه قضية معروفة في الذاكرة الأدبية القديمة ، وكل قارئ للأدب العربي له دراية بها ، ولا يهمني من قريب ولا بعيد هذا الموضوع ، لأنه منبت في كتب التراث / الذاكرة الأدبي (ة)، ومعروف بالضرورة كما يقال .
إن الذي يهمني ، وأهتم به ، هو الحديث عن اجتماعية النص / الخطاب الأدبي في قديمه وحديثه ، وملاحظة هل تغيرت بوصلة الأدب العربي ، أم هي اتخذت سمة أخرى موازية لسمات أدبنا القديم .
أُرجئ الحديث عن هذه الموضوع لا حقا ، لأنني مسكون بالحديث عن قلم شعرائنا وكتابنا الذين هم بين ظهرانينا ، سوف أحدثك ، سيدي عبد القادر ، عن قلمنا القديم في رسالة مستقلة ، منفردة ، أما الآن فاسمح لي أن أحدثك عن قلم اليوم .
فهل يعبر القلم العربي اليوم عن الألم؟ هل يتفاعل مع مشاكل المجتمع ؟ هل له صدى ثوري في نفوس المتلقين ؟ هل يخرق ويخلُق ؟ هل يربط المتلقي بعصره ومشاكله وهموم مصيره الفردي والجمعي ؟
إن الذي يهمني ، وأهتم به ، هو الحديث عن اجتماعية النص / الخطاب الأدبي في قديمه وحديثه ، وملاحظة هل تغيرت بوصلة الأدب العربي ، أم هي اتخذت سمة أخرى موازية لسمات أدبنا القديم .
أُرجئ الحديث عن هذه الموضوع لا حقا ، لأنني مسكون بالحديث عن قلم شعرائنا وكتابنا الذين هم بين ظهرانينا ، سوف أحدثك ، سيدي عبد القادر ، عن قلمنا القديم في رسالة مستقلة ، منفردة ، أما الآن فاسمح لي أن أحدثك عن قلم اليوم .
فهل يعبر القلم العربي اليوم عن الألم؟ هل يتفاعل مع مشاكل المجتمع ؟ هل له صدى ثوري في نفوس المتلقين ؟ هل يخرق ويخلُق ؟ هل يربط المتلقي بعصره ومشاكله وهموم مصيره الفردي والجمعي ؟
سأنطلق للإجابة عن بعض هذه الأسئلة من قولة للكاتب المغربي ( أحمد المعداوي ــ المجاطي ) :
" كانت هزيمة الجيوش العربية سنة 1948 ، مفاجأة من الأمة لنفسها ، وفرصة لمواجهة ذاتها مواجهة صريحة في إعادة النظر في كل ما يحيط بها ، سواء أكان ثقافة أم سياسة أم علاقات اجتماعية ، لم يبق بين الناس ، ولا في أنفسهم شيء أو قيمة لم تتجه إليها أصابع التهمة . الحقيقة الوحيدة التي استقرت في كل قلب هي مبدأ الشك "(1).
سيدي ، عبد القادر ، إن هزيمة العرب سنة 1948 ، كانت حدثا هائلا ، قاسيا مؤلما على الضمير العربي ، وقد أثر في الذات المبدعة أيما تأثير / انفعال وتأثر بالغ ، وشهدنا يومئذ الثورة الكبرى على الشعر العربي ، وشك المبدع في صلاحية الشكل والمضمون القديم / العتيق ، " وأمام هذا الإيمان بمبدأ الشك بدأت الأرض تهتز تحت أقدام الوجود العربي القديم " ــ المجاطي ـ .
فخلق المبدع العربي خطابا جديدا ، يواجه فيه مصيره الذي فرضه عليه الواقع ، ويوجه حديثه للمتلقي / القارئ العربي بنكهة ثورية نضالية .
وعليه ، فقد كان الواقع وقتئذ هو العامل في خلق حركة الشعر الحديث ، أي عاملا في خلق خطاب ينسجم والأزمة العربية في نكبتها ونكستها .
فما بال شعرائنا وكتابنا لا يعبرون عن نكستنا ونكبتنا الجديدة، أو لسنا في أنكس النكسات ، وأنكب النكبات ؟ ما لنا لا نرى موجة كثيفة ومكثفة تعالج وتعبر عن مأساة ضمير جمعي ؟ ما لنا ـ اليوم ـ لا نسمع بشاعر ثوري يتردد اسمه من المحيط إلى الخليج ، ومن الخليج إلى المحيط ، فيكون لنا رمزا نتشبث به في الدفاع عن مصير أمة مهزومة مغلوبة مقهورة منخورة ، من أمثال : محمود درويش ، و أحمد مطر، وعبد الوهاب البياتي ...
وعليه ، فقد كان الواقع وقتئذ هو العامل في خلق حركة الشعر الحديث ، أي عاملا في خلق خطاب ينسجم والأزمة العربية في نكبتها ونكستها .
فما بال شعرائنا وكتابنا لا يعبرون عن نكستنا ونكبتنا الجديدة، أو لسنا في أنكس النكسات ، وأنكب النكبات ؟ ما لنا لا نرى موجة كثيفة ومكثفة تعالج وتعبر عن مأساة ضمير جمعي ؟ ما لنا ـ اليوم ـ لا نسمع بشاعر ثوري يتردد اسمه من المحيط إلى الخليج ، ومن الخليج إلى المحيط ، فيكون لنا رمزا نتشبث به في الدفاع عن مصير أمة مهزومة مغلوبة مقهورة منخورة ، من أمثال : محمود درويش ، و أحمد مطر، وعبد الوهاب البياتي ...
إنني أعتقد جازما ، ولا أشك ، أن الأمة العربية اليوم تمر بأقسى ما يمكن أن يتصور ، معاناة ومقاساة جحيمية لا تطاق ، على صعيد الفرد والجماعة ، وأظن أن أدبنا اليوم غافل لا يقف في صف الالتزام عن قضايا أمتنا ، بدليل : عدم خلق أدب ثوري معاصر ، فلا وجدود لقصائد يتردد صداها بشكل حماسي في دوائر / دائرة المتلقي العربي ، ولا وجود لتهليل وتكبير لميلاد قصيدة أو قطعة نثرية أو شعرية ثورية ، تخلق في الشعب العربي لذة التحرك والمواجهة ، وتسقي عروقه بحماس نضالي من أجل التغيير والتنوير ، إن الأدب الثوري اليوم لا صوت له ولا صدى في الجامعات العربية ، وكذلك لا صدى له بين صفوف الطلبة .
وعندي أن المتلقي العربي أصبح يشمئز من خطابات مكررة ، خطابات تحلق في سماوات الأحلام اللذيذة والطباوية ، ولا تلامس قضايا الواقع العربي في شيء ،لأن القلم الذي لا يعبر عن الألم هو قلم منافق ، و ما يخلقه باطل .
إن الذي يعطي الأدب قيمته ، ويجعله جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي هو تعبيره عن قضايا الجماعة ، فلا عاش القلم الخائن .
إن الذي يعطي الأدب قيمته ، ويجعله جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي هو تعبيره عن قضايا الجماعة ، فلا عاش القلم الخائن .
إن الألم اليوم هو إحساس / شعور جمعي بغيض ثقيل ، غارق في السلبية ، إنه ألم مادي ومعنوي يرزح تحته العربي ، وهو صداع اجتماعي تصدعت بسببه الوحدة العربية ، لا وجود للوحدة العربية .
ألم اليوم لا صدى له في الإبداع العربي ، لا وجود لكتابة تعبر عن الألم ، في حين أن " وظيفة الألم هي التنبيه بوجود مرض معين أو خلل في الجسم " ، وجسم أمتنا مريض ، إنه طريح الفراش ، في احتضار مأساوي مرير ، غير أن أدبنا في لعب ولهو وغفلة ، لا يرصد أنين الشعب وصراخه ، ولا يسجل دموع الشعب ونحيبه ، لا عاش القلم الخائن .
لا عاش القلم الخائن ولا عاش مداده ، إن مداده سم نافث في عروق الأمة العربية ، فالقلم الذي لا يعبر عن الألم هو قلم أبكم ، وإن تردد ضجيجه وعجيجه في دور النشر ، فالمتلقي لا يسمع له ، ولا يهتم به ، لأنه قلم خائن ، وجزاء القلم الخائن الصد والرد القاسي .
ما أحوجنا أن نسمع صوت الشعر الثوري النضالي الملتزم يتردد في أفاق الأراضي العربية ، يعجبني قول صلاح عبد الصبور :
ألم اليوم لا صدى له في الإبداع العربي ، لا وجود لكتابة تعبر عن الألم ، في حين أن " وظيفة الألم هي التنبيه بوجود مرض معين أو خلل في الجسم " ، وجسم أمتنا مريض ، إنه طريح الفراش ، في احتضار مأساوي مرير ، غير أن أدبنا في لعب ولهو وغفلة ، لا يرصد أنين الشعب وصراخه ، ولا يسجل دموع الشعب ونحيبه ، لا عاش القلم الخائن .
لا عاش القلم الخائن ولا عاش مداده ، إن مداده سم نافث في عروق الأمة العربية ، فالقلم الذي لا يعبر عن الألم هو قلم أبكم ، وإن تردد ضجيجه وعجيجه في دور النشر ، فالمتلقي لا يسمع له ، ولا يهتم به ، لأنه قلم خائن ، وجزاء القلم الخائن الصد والرد القاسي .
ما أحوجنا أن نسمع صوت الشعر الثوري النضالي الملتزم يتردد في أفاق الأراضي العربية ، يعجبني قول صلاح عبد الصبور :
هــا أنت ترى الدنيا من قمة وجدك
لا تبصر إلا الأنقاض السوداء .
لا تبصر إلا الأنقاض السوداء .
قلم الألم ، هو القلم الذي يعبر عن معاناة أمة ، ينتج أدبا يصور ويحرر ، يصور أرضا عربية مقيدة من الداخل والخارج ، ويحرر أبناءها من العبودية ، وقيد الذل ، العبودية المفروضة من الخارج والداخل ، فلا عاش القلم الخائن .
واسلم لأخيك في الإنسانية والإسلام : الحسين بنزهرة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق