musique

الأربعاء، 20 يونيو 2018

قراءة نقدية

خالد بن امبارك خداد
********
*تمهيد:
لا يمكن الحديث عن فهم أي نص إلا انطلاقا من استنباطه من مفهوم القراءة،ومفهوم القراءة لا يمكن أن يتضح إلا إذا أدركت خلفياته الابستمولجيته وآلياته ثم أشكال إجراءاته. لا نقرأ النص بل محتواه فيحدث تفاعل، وبالتالي يتحول إلى خطاب أي موضوع تداول كصيرورة بأن التدلال غير محدود، وأن الدال والمدلول والمؤول قدرات ذهنية للتلقي.
ثم المتلقي الذي غدا معيار نجاح تقاس به شاعرية الشاعر وبراعته، والمناطق الشعورية والتفكيرية والروحية التي تتقاطع مع انفعالاته بحيث ينساق المتلقي وراء مكونات التخييل متأثرا بالكلام غير معني بصدقه أو كذبه.
إن ما تكتسيه قصائد الشاعرة خديجة بوعلي من عمق في المعنى، وحبكة في المبنى ،و نسج في التخييل الذي هو من قوى النفس الفاعلة والمبنية عليها قوة الخيال والتأثير في المتلقي، التي قد تصل إلى حدّ تغيير المواقف، واستبدالها من النقيض إلى النقيض.
تمفصل الشاعرة خديجة بوعلي اللغة المفصلة وفق قانون العقل لتتولد لديها لغة أخرى تلبسها لبوس بلاغة التعبير و جمالية التصوير ،وروعة التصور والتأمل في أبعادها الموضوعية والفلسفية في الحياة أي في الواقع.
لتحديد الحالة التي تحدد هذه القصيدة ومنطقها، ينبغي أن تكون القراءة متأنية وعميقة، و فاحصة، ومفككة، ومفسرة للسطور والمفردات، سواء من خلال التناظر أو التقابل أو المقارنة أو الترادف أو التأويل...إلخ.
العنوان:
" ذات ضعف" هنا ذات الصاحبية بمعنى صاحبة للمفردة المؤنث، صاحبة ضعف لكن لا نعرف من هي ؟ و"ضعف" كلمة نكرة. عن أي ضعف تتحدث الشاعرة؟! وهي كلمة تعني الهزال والفتور ضد القوة ، أو ضعف في الرأي والعقل، جاءت مضاف إليه وعلامة جرها الكسرة، للإخبار.
من خلال قراءتي تبين لي أن القصيدة تتكون من قطعتين الأولى من طفت...إلى من صخر.
والقطعة الثانية من عبثا ...إلى الدهر.
*تحليل القطعة الأولى الى خطاطة شكل منطقي خالي من الانفعالات:
الأفعال:
على أديم فجر
طفت أموج ضعف
نخرت مسامات فراغ
اكتسحت مساحات
امتدت سبات
صمت
بعثرت ذرات الرمل
فتتت ربوات
نحتت صخر
على أديم فجر على سطح فجر أي على وجه حلم مشرق يبعث على الأمل في الحياة بسعادة ولو بشكل نسبي.
اختيار هذه الأفعال طفت /نخرت /اكتسحت/ امتدت/ بعثرث /فتتت/ نحتت/ كلها تعبير في الزمن الماضي للدلالة على قوة الفعل وما خلفه من أثر رغم التعنت والمقاومة...
والأسماء المتناظرة من ضعف/فراغ/سبات/صمت... الللاتي بالتقابل هي ضد القوة واليقظة و إبداء الرأي والمشاركة في الحياة العامة وعدم ترك الساحة فارغة...وهنا يظهر أثر فن التناظر والتقابل في انسجام القصيدة.
أما الكلمات الموظفة من الطبيعة أمواج/مسامات/ مساحات/ذرات الرمل/ربوات /صخر...
فهي تشير إلى عملية طبيعية بصورة شعرية بديعة، وبانزياح لغوي جميل، يعملان على إبراز المعنى وتقويته وإيضاحه وإثارة الانتباه... ويزداد الوصف جمالاً إذا كان نابعاً من طبيعة المعاني التي يعبر عنها الشاعر ولم يكنْ متكلَّفاً وإلا كانت شكلية لا قيمة لها .
إن عملية التعرية والحت هذه، تؤدي إلى ترسيب ما تحمله من تآكل صخري وتفتيته إلى ذرات رمل مبعثرة نتيجة تلاطم واصطدام الأمواج بالصخور المتعنتة والعنيدة.
*خطاطة القطعة الثانية:
عبثا ...
اقتفت خطوات السبق
خفضت لقوارب الفكر
جناح الذل
أعجاز نخل خاوية
غدت بين سيقان الليل
اضحت سرابا
كل سمفونيات الدهر
عبثا ،بلاجدوى ولا فائدة ،هذه الأمواج المتدافعة واحدة تلو الأخرى ،ماهي إلا أمواج الإحباطات المتتالية،والإخفاقات المتتابعة ،وخيبات الأمل المستمرة وما تحمله من امتداد واكتساح لكل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية...إلخ كما وظفت الشاعرة كلمة "قوارب" وغالبا ما نسمع أو نقرأ عن كلمة "قوارب" مقرونة بكلمة "الموت"...قوارب الفكر هنا فكر ميت ،للدلالة على ضعف في الرأي والعقل والإبداع، عقول ك"أعجاز نخل خاوية"
إنهم أصحاب شخصيات ضعيفة، لا تقوم بالتغيير ولا تأتي بجديد، ذوات عقول ظلامية، تنشر السلبية في كل مكان، والتذمر والتشكي طوال الوقت، وتشعرك باﻹحباط واليأس، وتراكم الإخفاقات حتى صرنا نكتة مضحكة ،وسمفونية كل العالم عبر الأزمان "أضحت كل سمفونيات الدهر" وفقدان الأمل في رؤية الجانب المشرق من الأمور ،ولهذا نادراً ما يظهر أصحاب الشخصية القوية تذمرهم، فهم يتحملون مسؤولية أفعالهم، ويسعون دائماً للحصول على الأفضل،وتخطي الصعاب، ومواجهة مشاكل الحياة والعيش بسعادة ولو نسبيا.
هؤلاء، ليس لديهم القدرة على اتخاذ القرارات اللازمة، والأفكار الاستباقية و وضع برامج فاعلة،وحاسمة، ومنتجة، وتفعيلها على أرض الواقع .
إن الفشل في اتخاذ القرارات، يشير إلى عدم قدرة الشخص على الموازنة بين العيوب والمزايا، وعدم امتلاكه الرؤية الثاقبة والتصور الحاد الذي ينبغي من خلاله اتخاذ قرار بشأن ما، حيث غالباً ما يكون التجاهل ،والتردد، والتأجيل، والتماطل إحدى الحلول للتغطية على جهلهم وضعفهم.
ويبقى الهدف الوحيد الذي يبدو معقولا، الذي يمكن للحكيم أن ينشده ليس السعي وراء سعادة زائفة،بل عليه أن يحسن إدارة حياته بحيث يتجنب المعاناة التي لا فائدة ترجى منها فكل إنسان لا يكون بخير إلا في مناخ يلائمه.
إن طوام الإحساس بالقوة الزائفة والاستقواء بالوهم لا يأتي لها حصر، و الالتفات إلى الأصلح والأفيد وهو تبني الإصلاح بشكل عام، والقضاء على الفساد بشكل خاص لم يعرفا اهتماما خالصا ،فكم تتسبب النفس العنترية من بلايا وفساد وجثث واعتقالات؟ تسببت فيها لحظات إحساس بقوة زائفة وتمكن زائف، دون علم ودون أي مراعاة لمآلات الخطاب ولا لوقع الكلمات ولا لتربص الأعداء، الأمر الذي قاد إلى واقع كابوسي جاثومي لم يرد في خيال أكثر الناس تشاؤمًا.
إن القصيدة أقل ما يقال عنها توثيق لواقعنا المحبط بالشعر . ليس في القصيدة مبالغة ولا انزياح نحو السوداوية ،إنما هو تصوير دقيق ،و صريح، وجريء وصادق لفشل وضعف الدولة "المسؤولون وأصحاب القرار..."
إن وجود تكرار بعض السمات يعطينا التناظر، وظاهرة انسجام الخطاب الشعري في كليته ومع عنوانه مربوط بالتناظر بالانتقال من موضوع مباشر إلى موضوع دينامي
"المعنى" و باستجلاء الدلالات الخفية.إذن فالإحباط هو الحالة الوحيدة التي تحدد هذه القصيدة ومنطقها.
انه فعلا زمن احتجاب بزوغ الفجر . وللفجر دلالة على الغد المشرق.
خالد بن مبارك خداد 200618
القصيدة:
ذات ضعف
على اديم فجرٍ
طفتْ امواجُ ضََعْفٍ
نخرتْ مسامات فراغٍ
اكتسحتْ مساحاتٍ امتدتْ
من سبات و صمت
بعثرت ذرات الرمل
فتتت ربوات
نحتت ما تعنت من صخر
عبثا .. .
اقتفت خطوات السبق
خفضت لقوارب الفكر
جناح الذل
أعجاز نخل خاوية
غدت بين سيقان الليل
سرابا اضحت كل
سمفونيات الدهر
خديجة بوعلي
المغرب

ليست هناك تعليقات:

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...