musique

الأحد، 26 أغسطس 2018

الكلام الذي لا يموت

الكلام الذي لا يموت

الحسين بنزهرة
************
" الكلام الـــذي لا يمــوت "
*********************
مُـــــراســـلات أدبية :

رسالةُ إلى الأستاذ الناقد : سعيــد فرحـــاوي .

بسم الله الرحمان الرحيم

كثير هو الكلام الذي يموت بعد تلفظه ، إنتاجه ، وكثير هو الكلام الذي يموت قبل تلفظه ، إنتاجه ، باعتبار مقصد المُنتج لهذا الكلام ، وباعتبار فهم المستمع / القارئ لهذا الكلام ، وباعتبار السياقات المختلفة ، المتعددة التي تحكم وتضبط فعل الكلام .

إن الكلام متعدد تعدد اللسان ، ولكن ليس كل كلام يُشتهى ، ولا كل كلام يُرغب فيه ، وقد حدد القرآن في سياق الكلام العادي ، الكلام التواصلي اليومي قاعدة تميزية ، حيث يقول الله سبحانه وتعالى: { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } ، أي : ميزوا الكلام وفحصوه ومحصوه .

غير أني لا أريد الحديث عن الكلام اليومي ، المعطى العام ، المشترك بين أبناء العشيرة اللغوية المعينة ، بل أريد الحديث عن الكلام الذي يخرق الكلام ، والكلام الذي يخلُق روحا في الكلام ، أي يعطيه صبغة الروح الإنسانية القوية ، بعدما كان يمثل المعطى الفردي ، فينتقل من حدود الذات المنتجة إلى أقطار المستقبلة .

أريد أن أحدثك ، سيدي سعيد فرحاوي ، عن الكلام الشعري العربي الذي لا يموت ، والذي لن تطاله لفائف التحنيط في الذاكرة الشعرية أبدا .

هذا وقد مات كلام شعري غزير ، وباد كلام أدبي كثير ، ولم يُهتم به ولا التفت إليه ، لأنه ظل حبيس أسوار اللغة ، وبقي أسيرا في قيد المصلحة الفردية ، واستعملته أنفس لنفسها ، فكان منه الأدب التجاري ، الذي يفتح دكانا لبيع الكلام المزوق ، والذي يشتري من الناس دراهم معدودة مقابل صُنع الكلام ، وأعني به : الشعر التكسبي ، والأدب الذي عاش في طباوية ، وكان صوتــا طيعا طائعا لصوت الأمر / الأوامر التي لا ترحم الشعب ، ونسى أو تناسى أصحابه أنه كلام لن يعيش ، بل هو كلام يموت ولا يرضى حر بتخليده ، بتخليده في الوجدان ، وكتراث نضالي من أجل هموم الشعب ، فلا عاش القلم الخائن .

لقد مات كلام كثير ، سيدي سعيد فرحاوي ، وباد ولم تعد الأجيال تهتم له ، ولا به ، ولا تعطيه أي قيمة ، لأنه أدب أنتجته أنفس لا ضمير لها ، لأنها اختارت المتعة الفردية ، واللذة الفردية ، متناسية ، ومتجاهلة العذاب الجمعي ، والقهر والذل الجمعي ، والظلم والفقر الجمعي ، وما كان على الأجيال إلا أن ترميه في قمامة النسيان ، بل إن الزمن نفسه يقوم بهذه المهمة ، ولا يُخلد في ذاكرته إلا من هو أهل للتخليد .

مات إذا الكلام الميت ، مات ولا حُزن عليه ، لأنه قبل موته كان في موت . وها نحن أولاء في قرن آخر بعيد عن عصور الأدب العربي المتقدمة ، ولم تعد الكلمات تُوزن بمقاييس التكسب أو عدمه ، بل أصبح المقياس هو الالتزام أو عدمه. فلا عاش القلم الخائن .

فالكلام الذي لا يموت ، هو كلام يعلو على القيد ، كلام يرمي للتجديد ، ولا يقف أمام باب الدرهم والدينار ، بل يعبر عن صميم المعاناة الجمعية ، ويكون لسانا ناطقا عن قضايا الشعب ، وهموم الشعب ، ومشاكل الشعب التي لا تعد ولا تُخصى ، وهذا الأدب هو القمين بالتخليد ، وأن يكون أدب الأمة الذي لا يُنسى ، لأنه كلام لا يموت ، بل تظل الذاكرة تنفخ فيه الروح القومية إلى أبد الآبدين .

الكلام الذي لا يموت : كلام يصور حال الشعب ، ويعبر عن موقف المبدع العربي من : الإنسان العربي ، من مشاكله الكثيرة المتنوعة ، من همومه الفردية والجمعية ، من تخبطه في السير ، من محالك المسالك ، ومهالك المسالك ، من ظلام السبيل وديجوره ، من موت الضمير وسباته .

الكلام الذي لا يموت : كلام يسمع لأنين المعذبين ، وآهات المتألمين ، ويسجل ذبذبات صراخ الشعب ، ويكون ردارا يلتقط أدق التفاصيل في خريطة الشعب المقهور المهزوم 

يقول الكاتب / الناقد المغربي ـ أحمد المعداوي المجاطي ـ : " ما أراده الشاعر الحديث هو أن تصبح كلمته سيفا ، يُشهره في وجه الظلم بكلمة واحدة ، لقد أراد الشاعر أن تصبح كلمته قوة وحركة وفعلا ، ولكن الأيام الجهمة ، لم تلبث أن حولت الكلمة على لسانه إلى حجر "... ( ك : " ظاهرة الشعر الحديث " ص : 79)

في صلب النكبة والنكسة العربيتين ، حاول الشاعر العربي أن يخلق من كلامه حياة ووجودا ، أن يثور بكلامه ، أن يكون كلامه سلاحا من أجل التنوير والتحرير ، ومن أجل نشر كلمة الحق ، وأن يكون كلامه في صف الشعب المقهور ، مع الطبقة ذات الصوت الضعيف الذي لا يُسمع .

ونحن يا سيدي ، سعيد فرحاوي ، نحس من كل أعماقنا ، ونشعر شعورا واعيا أن أمتنا العربية اليوم في أنكس نكساتها ، وأنكب نكباتها ، ومع هذا الشعور وهذا الإحساس : ينبلج لنا واضحا تنكب الأدب العربي اليوم عن مقصد الثورة من أجل التغيير ، والقومة واللحاق بالركب العالمي ، أي : لم تعد الكلمة سيفا بل مُسخت خشبة هشة لا تُكسر عدوا ولا طوبا ، إنها عصا يهُش الشاعر بها على بقايا وطن منهار ، مُنهزم ، مغلُوب على أمره .

إن كلام الأدب العربي اليوم : إن لم يسجل هموم الشعب العربي ، ويصور آلامه ومعاناته التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا ، إن لم يقم بهذه المهمة ، فمصيره مصير الكلام الذي لا يعيش ، ومصيره مصير الكلام الذي يُنسى ، ولن يكون إلا عارا لغويا يجر الويل والثبور على أصحابه ، فلا عاش القلم الخائن .

فالكلام الذي لا يموت : هو كلام ينبعث من صميم الشعب ، وأمتنا العربية اليوم تعاني وتقاسي ، ولا بد من أن يكون أدب منفرد ، مستقل ، يرصد آلامها ، وهمومها ، وأحزانها التي لا تعد ولا تحصى ، لا بد من أن يكون الأدب هكذا : وعيا اجتماعيا ، ولا عاش الأدب الذي لا يصور معاناة أمته ، ولا عاش الأدب الذي يحلق في سماوات العالم المثالي ، ولا يغترف من معين الواقع الامبريقي .

وجود " داعش " في الجسم العربي ، كان أقسى وأمر من النكبة والنكسة ، فقد تخلخلت معايير شتى ، وترجرجت قيم لا تعد ولا تحصى ، وصار الإنسان العربي اليوم تائه لا منار نور يهديه ، ولا قنديل يهديه سُبل السلام ، بل إنه في صراع مرير مع نفسه ومع غيره ، إنه يعاني ويقاسي .

إن الكلام الذي لن يموت : هو الكلام الذي يصور لنا تجليات الدمار على النفس الفردية والجمعية ، هو الكلام الذي سيخلق فينا كأبناء لهذه الأمة الروح القومية القويمة ، ويدعونا إلى الوقوف وقفة رجل واحد، وإلى أن نتجند ونكون أصحاب كلمة واحدة .

الكلام الذي لا يموت : هو كلام يقول : كفى ظلما ، لا بد من سمع صوت الشعب . ولا عاش القلم الخائن .

قالها أدونيس إبان النكبة والنكسة ، يا سيدي ، سعيد فرحاوي :

لغتي تنوء كأن فوق حروفها حجرا وطين

فبأي جائحة أطوف ، بأي موج أستعيـــن ؟

وليستعن الشاعر العربي اليوم ، بأي موج يريد ، على ألا يكون موجه يُغرق الشعب ولا يعينه ، ويقتل الشعب ولا يحييه ، فالموج الذي نريد هو الموج اللغوي القاهر للظلم ، المُكسِر لجبروت القهر والفقر والذل ، المعبر عن أزمة أمة ، الخالق لفضاءات تحررية ، المصور لحالات التيه والضياع التي تعيشها الذات العربية ،/ الغربة والضياع تارة أخرى ، لا بد من خلق كلام لا يموت ، مثل كلام : أحمد مطر ، ومحمود درويش ... ولائحة الكلام الحي تطول ..

الكلام الذي لا يموت قليل في أدبنا العربي اليوم ، بل إنه صدى همسات لا تكاد تُسمع ، فأذن المتلقي لا تسمع إلا بهرجة لغوية قطرية محدودة ، في حين أن الكلام الذي لا يموت : ينبغي له أن يعبر عن قضايا الأمة العربية كلها . فلا عاش القلم الخائن .

واسلم لأخيك سيدي سعيد : الحسين بنزهرة .

والسلام عليكم ورحكمة الله تعالى وبركاته ...

الخالدة

Abdellah Thoumi 
********
الخالدة
ظنوا قتلوه
وما قتلوه
في قلوب صلبوه
في عقول وشموه
أديابلذا(3) في تحرك بهي
في بهاء ألوان زاهية
نساء لبسن ثياب جديدة
بأيديهن جمال صنعوه
في رقصة نسر
يوم عطلة عمال
في دولاب، بدلة زرقاء تركوا
على وجوه، أقنعة وضعوا
في لحظة تأمل
أطلق النسر
في الفضاء طليقا
حرا
من انقلاب، عاد قائد لقصر
حوصر ميلافلوريس (4) القصر
حتى عودة الرئيس
بتطبيق الدستور الرئيس
سقط قناع بئيس
زمرة انقلاب تأسيس
عودة استغلال امبريالي
° مشت الإبل حين اكتمل البدر
لأوكلاهما وصلت
في مدينة ماك الستر(5) هدوء
سجن لمحكومي الإعدام
بونكر صناعة القنابل
في المعمل قسيس يعمل
لا تقل يا هذا
في توافق الله وصنع القنابل
ما دام راتبك بمقابل
لا هم لك قتل أطفال
لا تقل أن الحرب ضرورة
ما دمت لك قوة تربية أطفال
لا تقل أن السجن ضرورة
ما دامت أنانيتك متطرفة قاتل
° مشت الإبل حين اكتمل البدر
في حفل في متحف كوفر(6)
من كل قرى جمعت
تحف هنود إليسك (7)
شاهدة ظلت
في بحر مضيئ بنجزم وبدر
في انتظار، هنود إليسك
عودة السومو (8)
إلى مكان ولادة
لوضع البيض
حياة في استمرارية
°°°°°
(1) سيمون جوزي بوليفار، Simon josé Bolivar، جنرال ورئيس دولة ازداد في 24/07/1783 بكاراكاس فينزويلا وتوفي في 17/12/1830 في سانتا مارتا )كولومبيا( الملقب بالمحرر، Libertador، رفقة الشيلي برنالدو أوهجين، Bernardo O’Higgins
والأرجنتينيJosé de San Martin عملوا على تحرير المستعمرات الاسبانية وترأس أول دولة أمريكية جنوبية المكونة من بوليفيا، كولومبيا، ايكواتور، بانلما، بيرو وفينزويلا
(2) تشي غيفارا، أرنيستو ؤفتييل غيفارا Ernesto Rafael Guevara المزداد في 14/06/1928 في روساريو، Rosario الأرجنتين وتوفي في 09/10/ 1967 في Higuera ببوليفيا، قائد ثورة كوبا رفقة القائد فيديل كاسترو وعند انتصار الثورة الكوبية توجه لتحرير الدول الأمريكية الجنوبية الأخرى من الإمبريالية الأمريكية التي ساهمت بتوجيه الجيش البوليفي بالقبض عليه واعدامه بدون محاكمة
(3) أديابلذا، Diablada، رقصة عريقة لهنود بوليفيا تصور صراع بين االشر والظلم في صبغة دينية
(4) ميلافلوريس، Milaflores، قصر رئيس فينزويلا في العاصمة كراكاس التي احتله الإنقلابين في 11 أبريل 2002 وأبعدوا الرئيس هيغو تشافيز، Hugo Chavez، عن السلطة إلا أن هيئة مشكلة من الجيش ومناصرين عملوا على اجهاض هذا الإنقلاب الذي دام 47 ساعة بمحاصرة القصر حتى عودة الرئيس الشرعي
(5) ماك الستر، Mac Elster مدينة في ولاية أوكلاهما، Oklahoma بالولايات المتحدة الأمريكية
(6) متحف فانكوفر، Vaincouver الأنثروبولوجي لجامعة كولومبيا البريطانية بكندا الذي يعرض تاريخ ثقافة السكان الأصليين لأمريكا الشمالية
(7) هنود إليسك، يتواجدون في الشمال الغربي للولايات المتحدة الامريكية
(8) سمكة السومو، Saumon نوع من السمك يعيش في المحيط الاطلسي والمحيط الهادي ومعروف بأنه يطلع الوديان الى المنبع حيث يضع بيضه وبذلك تنتهي حياته
°°°°°°
Amal Al-darraji ،اللوحة للفنانة التشكيلية العراقية أمل الدراجي
°°°
عبدالله اتهومي في الدار البيضاء في 24 غشت 2018 المغرب

الجمعة، 24 أغسطس 2018

مـــراسلات أدبيـــة إلى الفنـــان : علي محمد سعفان

مـــراسلات أدبيـــة
إلى الفنـــان : علي محمد سعفان
بســم الله الرحمان الرحيم
أيها الأخ الحبيـب ، يا رفيق الدرب ، يا صديق الروح ، يا مشكاة الحب والمودة ، يا قنديل الفكر والرأي ، إليك أرفع رسالتي هذه ، فسمع لأخيك اسمع له :
فلقد ناداني صوت قاس ليلة أمس: لا تصدق المدرسة، صدق قلبك ، ولا تصدق الكتاب ، بل صدق عقلك ، ولا تصدق الأستاذ ، بل صدق العلم ، ولا تكن خارج إنسانك ، بل كن أنت، ولا تعش الحياة، بل ابحث عن طريقة لعيش الحياة، ولا تقاتل من أجل أن تكون ، بل كن لأجل أن تكون ، يا حسين : كل ماتعلمته ينهار أمام إمبراطروية الواقع ، أن تقرأ غيره أن تعيش ، أن تعيش غيره أن تقرأ ، لابد من عبور الحرف والكلمة، لابد من خرق اللغة ، لابد من انجاب طفل اسمه : أنت ولا هو ، لابد أن تعبد الإبداع ، لا تصارع مزاجك بل صالح كيانك، لا تغادر شطآنك بل اطعم حيتانك ، فقرب الجسر يوجد الأنت المقدس ، وعند باب الحلم يوجد الغد ، يا حسين : غادر ذاتك تجد غيرك ، غادر غيرك تجذ ذاتك ، غادر وهمك تجد حلمك ، غادر حلمك تعش اسمك ، الأنت لابد لك من أنت ، ولابد لك منك كي تكون ، لا تصدق من قال : المدرسة بيت الحكمة، اكفر هذا ، اكفره يا حسين، فأنت لست كأحد ، أنت الآن لا أحد ، أنت الآن فيك غيرك ، أنت الآن لا أحد سواك، أنت الآن كل الكون ، كل مكان كائن فيك ، وقد يكفرونك يا هذا الحسيني ، قد يحمقونك بكلامهم ، قد وقد وقد ... لكن تعال لتمتص من ثدي الحكمة ، فالحكمة هي أن تكون أنت أنت ، الحكمة أن تغادر ظلام الجهل إلى نور العلم ، أن تهاجر من صحراء اللاشيئ ، إلى جنة كل شيئ ، أن تكتب حرفا من مداد الدم ، كل لغة بلا دم باطلة ، كل باطل بلا لغة حق ، فاللغة بيت التلاعب ، اللغة وجود ثان ، اللغة خلق خارج الخلق ، اللغة بدء الخلق ، اللغة تعال لا منتهي ، اللغة هي كل الإنتماء ، اللغة هي آدم وحواء. قالت لي الحكمة : لا تصدق مدحهم ، فهم متى مدحوك ذبوحك ، لا تصدق حبهم ، فهم متى أحبوك نفوك ، لا تصدق عناقهم ، فهم متى عانقوك خنقوك ، لا تصدق كلامهم ، فهم متى حدثوك سجنوك ، كن ابن الألم تبني حلمك ، كن ابن الجرح تبني لك ألف صرح ، كن ابن الأزمة تبني أمة ، كن أنت تكن أنت ، كن أنت تكن تجلي الله في الأرض . قلت للحمكة : قد هاجرت في صحراء قلبي ، ولكن أقدامي لم تترك أي أثر، فهل هذا مرض وجودي ؟ تنهدت الحكمة وقالت : لا هجرت لك ، الهجرة أن تهجر قلبك إلى صحرائك ، أن تجعل صحرائك بابا لقلبك ، كذب عليك من قال لك : أنت هو الحسين ، كذب من قال لك : أنت كل الحسين ، كذب من قال لك : أنت فيك أنت ، ألا ياصاح دع عنك قولهم ،تعال ترى كيانك المخفي ، تعال ترى كيانك المنفي ، تعال ترى كيانك المطمور ، تعال ترى أنت. يا صديقي علي ، يا صديق قلبي ، يا صديق روحي ، يا صديق نفسي ، يا رفيق حروفي ، يا رفيق تجلياتي الكتابية ، يا صديق قلمي ، يا صديق كلماتي ، يا عدو لغتي ، يعجبني عدائك للغتي ،وخصومتك لي هي هديتك لي. اجزم ايها الصديق ، أن الحكمة هي الالم والألم هو الحكمة ، وأن الناس تتعلم من الحياة أكثر من المدرسة، فرح قلبي لك بالأمس ، فقد بشرته أنك عدت للكتاب ، وكبف لا بفرح فلبي لك ، بل كيف لا يفرح قلبي لقبك ، وأنت عدت للخيط الذي يربطني بك ، ولولاه لكنت أنت غيرك في نظره ؟ هنيئا للأخ علي ، فقد تعلمت منه الكثير الذي لا يعد، وهنيئا له ، فقد جعل الحسين له روحا ، وهنيئا لقلمك فقد غير مجرى حياتي ، وهنيئا لك بك فأنت هو الرمز الذي جعل صورتي لغة في الوجود. سمعت قلبي يقول : الكتاب هو خيط يربط القلب بالقلب، الكتاب هو باب السماء لمعرفة الروح ، الكتاب هو مفتاح قفل الأنا ، الكتاب هو بداية المعرفة ، الكتاب هو سلم الحياة ، الكتاب هو ترياق الحياة ، الكتاب هو لذة العيش ، وإني أصدقك يا صديقي : لولا الكتاب لما كنت أنا أنا ولا كنت أنت أنت ، بل لولاه لكنت أنت علي ، ولكنت أنا الحسين ، ولكن الكتاب أعطانا سمة وجودية تعلو على الوجود ، وتبقى بعد الوجود ، فاسمح لصديقك الحسين أن يضيف في فضاء التجليات الجبرانية قوله : اعطني الكتاب وغني فالكتاب سر الوجود ، فمعان الكتاب تبقى بعد أن يفنى الوجود. أحبك باسم الوجود ، أحبك إلى الأبد ، أحبك باسم الكتاب ، أحبك إلى الأبد. سلام الله على قلبك ، سلام الله على نفسك ، سلام الله على روحك . ودم لصديقك إلى الأبد.
واسلم لصديقك ورفيق عمرك : الحسين بنزهرة

الخميس، 23 أغسطس 2018

مـــــراسلات أدبيــــــة :

مـــــراسلات أدبيــــــة :
بمدينة : القنيطرة
إلى الفنان :محمد علي سعفان
بســـم الله الرحمان الرحيم :
كل الناس تتكلم بالفم؛ ولكن آحاد من يتكلم من روحه وبروحه؛ وكل الناس تدير الكلام باللسان؛ ولكن قلة من يصنع الكلام بلحمه ودمه؛ وكل الناس تخلق الصوت من الحنجرة؛ وهناك من يأتي بالصوت من صميم ذاته؛ فيكون صوته بعض ذاته ؛لأن ذاته في صوته؛فعجيب شأن الصوت عجبا لا ينتهي.وقد سمعت من سعفان منطقه؛ بل سمعت وحي ذاته مترجما بصوته، فكان منطقه صنو منطوقه؛ وكان صوته تصويت لما في ذاته؛ فأي سحر اشتمل عليه الصوت السعفاني؟ وأي ذبذبات ترسلها روحه إلى روح مخاطبيه، فتنفخ فيهم نفخة تجري جري الدم في العروق؛ فإذا روحه هي هي لسان باطنه؛ وإذا روح مخاطبيه هي هي آذانهم التي بيها يصغون له. ولست أدري أي سحر في صوته؛ ولست أدري أي لذة في صوته؛ فكل ما أدري أني لا أدري كيف أخضع لسلطانه، وكل ما أدري أني أخرج من حياة إلى حياة، وصعب علي تفسير ذلك، فصوته ينقلني من طقس فيه أنا وهو ؛ إلى طقس مغاير ليس فيه إلا ... إلا صوت روحه؛ولعل بعض الأشياء لذتها في غموضها! فصوته يمتزج بالنفوس لنفاسته، ويشرب بالقلوب لسلاسته، فكم عبت روحي من فيض صوته؛ وكم عشت دقائق في كون نطقه. سعفان ـ في نظري ـ يجعل الصوت إحساسا؛ ويصير نطقه من ذبذبات صوتيه إلى حالات نفسية؛ فيكون صوته هو حالته النفسية التي تغير في نفس مخاطبه، وسعفان أدرى بما أقول؛ فلن يتغير النص المكتوب إذا نقلناه إلى صوت، أو أحلناه صوتا،ولكنه يتغير إذا نفخت فيه روح صافية سرها؛ وبعتث فيه نفس جميلة سحرها؛ وعندي أن فتنة الصوت السعفاني من هذا الباب، فهو يتحدث بما يجد في ذاته؛ ويتكلم بلسان باطنه؛ على ذلك يأتي صوته فيه سحر لذيذ؛ أو فيه لذة ساحرة؛ وينقل النفس المخاطبة إلى نفسه المتكلمة؛ فتعيش الأنفس فيه وهي تسمع له، وتحيا الأرواح معه وهي تأخذ منه؛ ولن يكون الصحفي أو المعلق الصوتي ، خالقا في هذا المجال إلا بثلاثة أمور كاملة مجتمعة :١\ بصوته الذي يصل بينه وبيه مستمعه؛ أي صوته الذي يوصل أفكاره إلى من يصغي له.٢\ بروحه التي تخرج صوته من صوت ذاتي وتجعله صوتا كونيا؛ أي صوتا تتشارك فيه الأنفس؛ فيكون الصوت كأنه انبعث من نفس واحدة؛ وكأنه صوت ترسله ألسن مشتركة؛ لما في هذا الروح من سمو المطمح؛ ونبل الغاية؛ وحسن النية والطوية، والصوت الحق يجري في الكون: كجريان الخلايا في الجسم؛ فقد يكون المعلق الصوتي فرنسيا؛ والمستمع عربي لا يفقه اللسان الفرنسي؛ ومع ذلك تلفاه يسمع له كأنه يفقه قوله؛ ولست أفسر ذلك إلا بأن في الصوت روح مشتركة تتحدى اللغة والنطق.٣\ المعرفة الواسعة؛والشغف بالقراءة ؛ والبحث الدائم عن الجديد؛ ولن يكون المعلق الصوتي مجيدا إلا بهذا القيد؛ وإلا فإنه سيصبح مهرجا بكلامه؛ أو بائعا لصوته بأقل الأذواق. وقد يكون سعفان معلقا عاديا عند غيري؛ ولكني أراه معلقا صوتيا فريد من نوعه؛ لأني أقيس مهارته بمقاييس روحي؛ وليس لي من عدة ولا عتاد في هذا الباب؛ . اللهم بعض الزاد المعرفي من علم اللسانيات. وشيئ يسير من مطالعتي المتواضعة جدا. أنا هنا أتكلم على سعفان المأثر؛ سعفان الذي يرسم بصوته إحداثيات النفس وحالاتها الجوانية الوجدانية؛ والذي يلون كون الروح بنطقه العذب ، وهذا النطق من ذاك الناطق؛ الناطق السعفاني الخالق من صوته أحاسيس، فينبعث الصوت منه كأنه ينبعث من السماء .طلبت من سعفاني يوما أن يسمعني قطعة من كتاب" حديث القمر" بصوته فأسمعني؛ وكنت قد قرأت الكتاب قبل؛ فكان الكتاب بصوت سعفان كتاب آخر لم أقرأه ولا مرة؛ فقد قرأت " حديث القمر" مكتوبا ، وهاهو ذا يقرأني منطوقا بصوت سعفان؛ ويطالعني مطالعة الروح للروح بنطق هذا الصديق المبدع؛ كنت قرأت الكتاب بعيني؛ وتلذذت بحروفه وخطوطه قبل معانيه؛ فإذا بسعفان يخلق لذة الكتاب في سمعي؛ وإذا سمعت أذني صوته فهي تسمع روحه تتكلم في صدره، وهذه أبلغ نقطة تصل لها روح المستمع؛أعني: حلول صوت المعلق الصوتي في ذات مستمعه.وأذكر ذات يوم أني اجتمعت وبعض الطلبة في بيتي؛ في القنيطرة، واسمعتهم شريط فيديو لصديقي علي سعفان؛ وكان عنوانه " نعمة المرض" فرأيت القوم يصغون كأن فوق رؤوسهم الطير؛ فلا تسمع منهم إلا لغة الملامح؛ فأدركت يومئذ سلطة الصوت السعفاني؛ وكان حبي له آنذاك فوق الحب، فقد أكبرني الطلبة وافتخروا بي أن يكون لي صديق كسعفان؛ وأنا كنت أقول لهم في نفسي: " بورك في هذا الصوت السعفاني إلى الأبد".وخطر في ذهني ما أحفظه للشاعر النحرير " الصابئ" فاستشهدت به :
لك في المحافل منطق يشفي الجوى ويسوغ في أذن الأديب سلافه
فكأن لفظك لؤلؤ متنــــتخل ـ وكأنما آذاننا أصــــــــــدافه
ففي صوت سعفان سحر وسر ، سحر يقلب حالة النفس ؛ يغيرها من شعور إلى شعور؛ ومن إحساس إلى إحساس؛ فلكأن في صوته بعض ما في أنفس مخاطبيه؛ ولكأن أنفس من يسمع له تريد أن تفنى في سمع ما تسمع؛ ولا تريد أن ينتهي ما تسمع؛ وتحب أن يخلد هذا الصوت الشجي العذب المنزل من سموات الروح السعفانية؛ ليبقى فيها بعض من آثار ذلك الصوت؛ ولتبقى هي في حبل موصول مع لذة الذبذبات الخالقة ؛ وعجيب هذا فوق العجب يا سعفان؛ فكأن صوتك كهرباء سارية في أوصال من يسمع منك؛ وفي عروق من يصغي لك؛ ومن يدري؛ ومن يفسر هذا العجب: فلعل صوتك يتحول فينا إلى مادة روحانية رقيقة؛ أو يحول أنفسنا إلى مواد روحانية رقيقة؛ أو يخرج أنفسنا إلى حالة من السكر والغيبوبة عن المادة وعالم المادة؛ ويدخل بها إلى فضاء التلاقي الروحي؛ والترقي في معارج الروح بصوت روحك. دعاني الأديب ؛ الشاعر؛الصحفي المبدع" علي سعفان" إلى بيته ذات مرة؛ وبيته مختبر عمله وأعماله؛ فشهدت ساعة ميلاد عمله الجميل" الخيانة الزوجية"؛ فكنت أنظر إليه وأتبين لصوته في مسمعي صوتا آخر؛ فكان يقطعه ذلك التقطيع؛ ويمدده ذلك التمديد؛ وصاح في قلبي وجوارحي؛ وساقني إلى معانيه بصوته؛ وجرني إلى نطقه بألفاظه؛ وسعفان كما قيل:
تزين معانيه ألفاظه وألفاظه زائنات المعاني.
فمزيدا من العطاء أيها المبدع، ومزيدا من الحلم العملي؛ ولا تفرغ كبسولتك الروحية من الأحلام أبدا، واسقنا بصوتك الريان.
واسلم لحبيبك وصديق عمرك : محبك الحسين بنزهرة
2 فبراير 02:23 م

الثلاثاء، 21 أغسطس 2018

التجربة الذاتية للمبدع والنص الابداعي

****التجربة الذاتية للمبدع والنص الابداعي****
      *******************************
النص الابداعي هو تعبير من الذات المبدعة عن رؤية للواقع فالابداع لا ياتي من فراغ بل يجسد شكل انتاجه عينة لاستضمار شخصية مبدعه ومكوناتها الثقافية وعمقها الاجتماعي وخلفياتها الفكرية .
المبدع يتميز بحساسية شديدة اتجاه ما يمر به من مواقف وما يعيشه من احداث وما يصادفه من نمادج بشرية في محيطه القريب .هذه الحساسية الذاتية تتاسس على خلفيات ثقافية وفكرية وتربوية تشكل رؤيته النقدية الخاصة للابداع تكون مرجعية يستند اليها ليرسم في ذهنه الاطار العام لانتاجاته الابداعية.وحين نقول رؤية نقدية خاصة نعني رؤية ذاتية تستانس بما هو اكاديمي في النقد لكن تحاول التعامل معه بشكل يؤمن له حرية التصرف والانفلات بمرونة من نمطية القوالب الجاهزة .
كل هذا الزخم المتداخل الذي يتداخل فيه ماهو واقع /التجربة وما هو مكتسب/الثقافة -الفكر...بما هو ذاتي /الاحساس -الخيال...يكون حاضرا في الذات المبدعة فارضا لنفسه على المبدع اثناء الكتابة بل اثناء التفكير في ابداع النص .
تبعا لذلك ياتي النص الابداعي حاملا لكل المؤشرات التي تمكن من النفاد الى شخصية المبدع كما يعتبر عينة تمكن من التعرف على غنى تجربته الانسانية ومثانة ثقافته النقدية وغزارة مخياله الابداعي .
بهذا المعنى ياتي النص معبرا عن تجربة المبدع الذاتية ان على مستوى الواقع المعيش او على مستوى العملية الابداعية .وان كان التعبير عن التجربة الذاتية الواقعية يكون صريحا في السيرة الذاتية خصوصا فان النص الشعري لايعبر بالضرورة عن تجربة ذاتية في الواقع المعيش للمبدع بل مطية لتمرير خطاب جمالي من حيث الشكل يبرز فيه حسن تعامله مع اللغة ويعلن من خلاله عن شاعريته قاصدا من ذلك المتعة واثارة دهشة المتلقي..
فليس كل من كتب قصيدة عشق ملتهبة هو عاشق بل يتخد من تيمة العشق او غيرها وسيلة لمشاركة المتلقي المفترض جمالية القول الشعري هذه الجمالية /التي لاتبرز تجربة ذاتية واقعية/تظهر نوع اخر من التجربة وهي التجربة على مستوى الابداع ...
*****
*****محمد بوعمران/مراكش**********

الاثنين، 20 أغسطس 2018


20.08.2018 19.00

الرؤية الادبية وعلاقتها بالأرض في الرواية العربية النسائية
***********************************************
بقلم الناقد الدكتور محمد ازلماط (المغرب)
***
ان الرؤية الادبية في اشمل مفهومها هي انغماس أدائي ومنهجي لمعرفة ماهية الأدب وما له من قيمة يمكن الإجابة عليها بتفكيك نتاج الأدب سواء كان شعرا او رواية، او انها مادة واقعية يتم اعادة صياغتها في تشكيل جمالي فني أو انها معادل للمكون الموضوعي والمضموني والغائي للأدب في نسق من الشمولية المفهوماتية.
وأن الرؤية الادبية في النصوص الأدبية سيما الرواية قامت لتوجيهها عبر رسالة متمحورة حول محاور ثلاثة متفاعلة ومنصهرة تكمن في الذات والطبيعة والموقف،تتضمن آراء ووجهات النظر متشكلة في لغة سردية بواسطة نظم تجريدية متمثلة في التخييل والحلم والتنبؤ والتأمل والتدبر والفعل الجمالي.
وبناء على هذه النظم وعلى الأجناس الادبية،اضحت الرؤية الادبية أنواعا مختلفة،نظرا لما تكتسبه من جاذبية وإثارة وتجسيد التجربة الإنسانية في بنى وانساق تتناسج لتوليد مكوناتها والعوائق الرابطة في ما بينها.ويمكن تحديد أنواع الرؤى في الرؤية الشعرية والرؤية الرحلية والرؤية المسرحة والرؤية الثقفانية والرؤية السردية.وكل واحدة لها خصوصيتها وتصوراتها التي بصورتها سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية ومستويات جمالية وفنية لتشكيل نصا أدبيا ثقافيا.
وانطلاقا من هذه الأنواع سيتم اختيار الرؤية السردية التي تقوم بتصوير عمل روائي ؛ينطلق من أطروحة الأرض في بنية سردية ذات صياغة متميزة الدلالة في التشكيل والعلاقات والإستراتيجيات الهندسية الذهنية والخرائط الشعورية التي التعبير عن كنه أبعاد الرؤية في الرواية.
والرؤية السردية تصور تفاعلي للرواية حيث يتداخل فيها أنماط الحكي وأنماط الشخصيات وأشكال الزمان وتعدد الأمكنة وأنواع الوظائف.والمحور الذي يستاثر بالاهتمام في هذا التصور يكمن في الأرض التي لها على بمستوى المكان الذي (يعتبر عنصرا من العناصر الأساسية للمكون الحضاري،يضاف إلى هذه المعادلة الانسان الذي يخدم الارض،والزمن كفيل بربط صلة الانسان بارضه فهي تمثل هويته ووطنه.)(1)ومن هذا المنطلق فالأرض لها علاقة تفاعلية بالشخصيات في البنية السردية لاعتبارها هويتهم ووعثاء لتخزين تراثهم ومنبع لحدس ثقافتهم،حيث تعتبر النواة الإستراتيجية التي تتمحور حولها المستويات الاخرى المكونة للرؤية السردية وخاصة الموضوعات.
وعلى هذا الاساس،يمكن رصد أئمة الأرض في الكتابة الروائية العربية النسائية من خلال رواية الصبريانا للروائية التونسية فضيلة،وتجربتها مع الخطاب الروائى الذي تطرقت فيه إلى تجسيد انفعالاته وانفجار عواطفها من خلال سياق الأرض الكائنة في العراق الذي تتفاعل تتشابك فيه بنية الأزمنة وأفعال وعوامل الشخصيات حيث تقوم بتصوير صورة مثيرة للقلق لأن (الأرض هي ذاك التعيين المكاني،تكتسب الدلالات والمعاني بما يتجاوز ملامحها المادية،تكتسب بعدا روحيا وفي ما عليا،حتى ان التحقق الإنساني ذاته لا وجود له دون ذلك الحضور الباقي دوما للارض)(2).
فالأرض في النص الروائي مش جو بمرجعيات ثقافية وتاريخية وتخييلية ورمزية والاحتمالية لتسمها الروائية بسمة الواقعية انطلاقا من المجال الجغرافي المتضمن الأمكنة التي تختلف في أعمارنا حسب طبيعة تكوينها حيث هنا الأمكنة التي تشكلت من منظور عسكري وأخرى من منطلقات تجارية او اقتصادية او ثقافية او حضارية.فكل مكان من الأمكنة السالفة الذكر والحضارة في الرواية تكتسب أهمية قصوى من حيث المستوى الجمالي والفني؛ومن حيث كونه يشكل القطب المحوري الذي تتمحور حوله مكونات الرواية وتتحرك في قضائه الشخصيات.وعلى هذا الاساس يمكننا أن ننظر إلى المكان في رواية الصبريانا على اعتباره (شبكة من العلاقات والرؤساء ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتأييد الفضاء الروائي،فالمكان يكون منظما بنفس الدقة التي نظمت فيها العناصر الاخرى في الرواية بذلك فهو يؤثر في بعضها،ويقوي من نفوذها)(3)كما تعبر عن مقاصد الروائية عبر تجسيد رؤيتها التي توحي إيحاءات دلالية ونفسية التي تحدد بعد الهوية الانتمائية الذي حرصت عليه الروائية لتجعل المكان مرادف للارض بؤرة لتكثيف الرؤية السردية وإضفاء عليه قيما واوصافا جمالية وفنية حيث منه تتشكل الأحداث والوقائع والأفعال والتوقعات والتجارب وذكريات واحتمالات.
وفي الختام يمكن القول إن الارض مكون من مكونات الرؤية السردية التي لها خصوصياتها في الكتابة النسائية تكشف عن تحليل نفسي اجتماعي لاثر الأرض على الشخصيات وكيف يتم تكيفيها لنفسها في تدافع وصراع وتوافق..فالرؤية السردية النسوية مختلفة عن الرؤية السردية الذكورية لأنها تنطلق من الذات وش بقية الذات في تفاعل مع الأرض.
الهوامش:
1مقولة للمفكرمالك بن نبي مأخوذة من مذكرة لنيل شهادة ماستر سنة2012 بالجزائر :صورة الارض في رواية حلواجي مريم لجبالي انيسة ص18
2 سيد نجم:الرواية العربية والارض،دار نشتري للنشر الإلكتروني تاريخ النشر 10فبراير2005ص1
3 حسن بحراوي:بنية الشكل الروائي،المركز الثقافي العربي بيروت و الدار البيضاء 1990ص32



قراء الزجل : بين الفايس والواقع

قراء الزجل : بين الفايس والواقع. 
***************************
بسم بالله الرحمن الرحيم
تقديم :
****
هذا نحو من الحديث عن الزجل جديد ، لست أدعي فيه قصب السبق ، ولكن الذي أدعيه وبجزم ؛ أنه موضوع قلما تطرق إليه ، وقلما خاض فيه قلم الباحث ، وقلما تأمله فكر الناقد والدارس ، وقلما خاض فيه المهتم ، فالقراء لم يعهدوا ، لا سيما الطبلة في جامعاتنا، الحديث عن الزجل وهمومه وقضاياه ومشاكله ، لأن الحديث عن هذه المسائل ، حبيس الملتقيات والندوات والصالونات والكتب ، ولا يعرف الواقع ولا يعرفه الواقع ، ولا يعيش في الجامعة ومع الطلبة ، فهو في عالمه ، وهم في عالمهم .
على أني ، بادئ دي بدئ ، أود أن يطمئن الذين يحبون الزجل ويكلفون به ، ويخافون عليه ، فله المكانة العليا غدا إن شاء الله بفضل زجالين كبار لهم حرف من ذهب ، وخيال لامع جامح ، وتصوير رائع ، من أمثال الأستاذ ادريس بالعطار ، والمسيح ، وغيرهم كثير…
أحب أن أكون صادقا في كلامي ، وأن أقول قول الحق في هذا الموضوع الخطير المهم ، وإن سخط عليه قوم ، ولامني فيه آخرون ، لأني رضيت عن هذا الرأي الذي ارتأيته ، والموقف الذي أتخذته ، والبحث الذي أذيع في الناس حول الزجل المغربي . ولو لامني قوم ، وضحك آخرون .
وبعد ، فهذا حديث جديد ، طريف ، حول جمهور الزجل بين الفيس والواقع ، أريد أن أمد أطراف الحديث حوله ، وأن أجد بعض ، لا كل ، العلل ، التي تسهم في حصره في موقع الفيس ، وتجعل منه ظاهرة (فيسية) إن راقت هذه العبارة ، يكثر في الصفحات والمجموعات ، ويقل في الواقع والحياة1/تشظي النص الزجلي :
إن وجود الإنترنت بين الناس خلق / أوجد عالما قرائيا جديدا ، عالم قرائي سريع جدا ، سرعته مدهشته ، صادمة ، محيرة ، حتى تشظى النص المكتوب ، ما بين عالمين ، عالم سهل سريع يسير ، وعالم صعب بطيئ عسير ، فالأول هو هذا الفضاء الأزرق ، أو دور النشر السريعة المجانية ، التي لا تتطلب لا نفقة ولا مال ولا رسميات ولا… بل هو منبر مشاع ذائع للكل وبين الكل ، إنه مليكة عامة لا خاصة. ، قسمة عادلة بين كل الكتاب ، فلم يعد الكاتب أو الشاعر يتكلف في ايصال رأيه وفكره للناس ، فبلمسة زر تصل الفكرة خلال ثوان للمئات إن لم نقل للآلاف ، فالنص يكتب في رمشة عين ، وينشر بنفس السرعة أو أقل ، والقارئ ما عادت تهمه ، ولا يهتم ، بالقراءة الماتعة ، ذات الموصفات المعينة المعلومة ، المؤطرة بقراءة متأنية ، واعية ، خلاقة ، فعصر السرعة ولد القراءة المتسرعة وليس السريعة ، قراءة لا تنفع ولا تزيد رصيدا معرفيا ولا عاطفيا ولا فكريا…
مع أن الجزم قاطع ، في أن قارئ النص الزجلي الفعال قليل ، بل ناذر ، رغم كثرته ، فأنت لو تجولت في هذه الصالونات الفيسية ، المسماة بالمنتديات والمجموعات والصفحات ، لرأيت عجبا عجابا ، فالكل يبدي رأيه في نص زجلي ، بقول قليل ، و كلمات قليلة( نص جميل ، رائع ) أو ماشابه ، ولا نكاد نجد من يلخصه ، أو يمحصه ، أو يحلله ، أو يبدي رأيا وازنا . إن جمهور النص الزجلي في الفيس كثيرون ولكنهم في تفاعلهم قليلون.
والثاني هو العالم الواقعي ، الذي يهتم أناسه بالفول والحمص والخضروات والأكل والملبس ، والبيض واللحوم وما شئت من تكاليف البطن وتصايفه ، و ولا يعنيهم غذاء فكرهم ولا روحهم ، ولا تربية ذوقهم ، فهم في شغل عن هذا كله ، وبجانب هذا كله ، تجد النص الزجلي بعيد كل البعد عن الواقع ، لا يقرب من الواقع بل يبتعد عنه ، ولا يحاور الواقع بل يصمت عنه ، ولا يرى الواقع بل يتغاضى عنه ، فأنت لو أحصيت وجود الدواوين الزجلية في منازل المواطنين ، قطعا ، لن تجد أي قارئ يضم في مكتبته ديوانا زجليا ، إلا قلة قليلة من ذوي الاختصاص ، فالدواوين الزجلية قليلة ناذرة في المكتبات ، ويا كم اعترضتنا مشاكل ، نحن الطلبة ، في الوصول والحصول على ديوان زجلي ، أو كتب تدرس الزجل .
لا تغرنك هذه البهرجة المشاعة اللماعة ، فهي بريق سرعان ما يحجبه الظلام ، فالواقع ينكر وجود شيئا اسمه الزجل ، وعليك أن تختلط مع الطلبة ، الذين يعتبون هم ماء النصوص وعصبها ، فلن تجد طالبا من الطلبة يهتم بالزجل أو يعرفه ، أو يبحث فيه وعنه ، أو يكلف نفسه قراءة نص زجلي ، فضلا عن دراسته وتحليله ، ومحاولة الوصول لجمالياته ، إن النص الزجلي في الواقع صوت بلا صدى ، وسماء بلا شمس ، ونص بلا قارئ .
إني موقن ، أن هناك قلة قليلة ، في فضاء الفيس ، من يطالعون النصوص الزجلية ، ويغوصون في باطن معانيها ، ويخصصون لها دقائق وساعات لشرحها وفهمها ، وتحليلها ، وسبر أغوارها ، والسواد الأعظم يمرون عليها مر السحاب ، لا تلذذ ولا استمتاع ، ولا قراءة تخرج من أعماق الذات فتحل في النص ، أو تخرج من النص فتحل في الذات ، حتى أمكن رفع شعار " موت قارئ الزجل" ، أو هو في حالة احتضار ، أو غيبوبة عن معاني النص ، رغم أن اللغة المكتوب بها النص الزجلي ، لغة قريبة أو تكاد تقرب من لغة التواصل اليومي. ، وهذا ، وبحق ، اشكال عميق خطير .
نعم ، إني لا أنكر فضل الفيس في نشر كلمة الزجال المغربي ، وتقريب الجمهور منه ، وقربه من الجمهور ، وإذاعة كلامه في الكثير من الناس ، بسهولة ودون عناء ، ودون نفق أموال ، ودون رقابة أو سلطة ، ودون محاسبة ، كما لا أنكر العون الذي قدمه الفضاء الأزرق للربط بين المبدعين الزجالين في ربوع المملكة المغربية ، فلكأنهم في بيت واحد ، أو في ملتقى كبير ، ولكن الذي يطاله النكران ، هو أن تشيع هذه الظاهرة ، وتطغى ، وتكبر ، وتصبح قاعدة مقعدة ، ويصير الزجال ينشر كلامه ، كلمته في فضاء أزرق افتراضي ، ويغيب نصه عن الواقع ، أو تغييب نصوصه عن الحياة الدنيا ، إن جمهور الزجل يكثر في الفيس ، ولكنه ، وبدون شك ، يقل في أرض الواقع ، ودعك من اهتمام المهتم ، وعناية المختص ، ودراسة الدارس ، فلا يشكل هؤلاء وأولائك إلا قلة قلة ، بالمقارنة مع الشريحة العريضة من القراء .
لقد قضى الفضاء الأزرق على النص الزجلي الورقي ، أو كاد يقضي عليه ، فأنت لو جنحت نحو البحث عن ديوان زجلي مطبوع لأرقهت ، وعييت ، ومللت ، ويأست من وجوده ، فنحن في عصر السيولة المعرفية والرمزية ، ونحن في عصر ذوبان النص المكتوب في عالم السمعي والمرئي ،وسبائك الوسائط المتعددة ، كما أننا أمام قارئ تستهويه الرواية ، ويشغف ويكلف بالنصوص الروائية .
إن النصوص الزجلية ظاهرة فيسية بامتياز ، توجد وتنشر وتنتشر في عالم سريع لا تحكمه أحكام ولا تقيده أقانيم ، وفي ظل هذا الجو السريع المتسارع ، يفقد النص مكانته في الواقع ، وفي البيوت والشارع ، وعند القارئ والسامع ، ويحصر في عالم الفيس.
2/ قارئ الزجل : الغياب والحضور.
عن أي زجل نتحدث ، والنصوص الزجلية لا تعرف القارئ في أرض الواقع ولا يعرفها ، والطبلة لا يهتمون بها ولها ، ولا يخصصون أوقاتا لدرسها وتحليلها ، وتتبع تاريخها ، ودراسة أعلامها ؟
إن القارئ في الفيس لا يمكن وصفه بأنه قارئ فاعل متفاعل ، متحاور متواصل ، مع النص ، لأنه لا يراود النص ، ولا يكلف نفسه الولوج إلى فضاء النص المكتوب ، فهو منشغل بقراءة عاجلة عابرة ، أن قارئ الفيس هو ، عابر نصوص بامتياز .
وأمام هذه القراءة العابرة السريعة المتسرعة ، يغيب كل من :
1/ الدقة : يغيب القارئ صاحب القراءة الدقيقة ، الواعية الخلاقة ، المتفاعلة ،التي تنفتح على النص الزجلي وتحاوره ، وتفككه ، وتشرحه ، بدراسة وافية لذيذة ممتعة . وتباشره بالتحقق من صحته ، صحة نسبه ونسبته إلى صاحبه ، وأصالته ، إن القارئ لا يعنيه ذلك في شيئ ، فهو منهمك في تقليب الوجهة ، والنظر في الصو والفيديوهات .
2/ المغزى :أتسائل ، هل قارئ النص الزجلي ، بهذه القراءة المتسرعة ، يفهم عن النص ، يصل إلى معانيه ، يعايش ويعيش مع معاني النص ؟
لا سيما أن النص الزجلي ما عاد بنية لغوية سهلة يسيرة ، بل أصبح هو الآخر بنية لغوية تستدعي قراءة واعية ، متسلحة بعتاد المعرفة اللغوية وثقافة واسعة ، وقرائنا والحمد لله يحبون أن يقرؤوا النص الزجلي دون تلذذ ، ودون سبر معانيه ، والدخول في أعماقه ، والغوص في ثناياه ، وفهم دلالاته المتعددة ، فهم منشغلون مشغولون في تتبع أخبار الكرة والسياسية والطبخ والملابس والأفلام والأغاني والصور ، فأين النص الزجلي ، أين هو القارئ الفاعل المتفاعل الذي يحيي النص ويوقظه ، ويهبه الحياة ، وينفخ فيه الروح ، من للنص غير القارئ ؟
ما عاد القارئ يخصص وقتا لفهم معاني ومغزى النص ، بل إنه يقرأ قراءة عابرة لا قيمة لها.
3/ لذة النص الزجلي :
هل يتلذذ القارئ بالنص الزجلي ، هل يتذوق معانيه ، هل يشعر بما فيه ، هل يحل فيه ، هل يلج ضميره ويعانيه .؟
عندي أن حال قارئ النصوص الزجلية ، يدعو إلى القلق ، ويبعث الخوف والرهبة على هذا الفن الجميل ، فالقارئ في الفيس يمر مرا عابرا ، ولا يهتم ولا يتلذذ ولا يستمتع ، ولا يبحث عن تلكم الشرارة العاطفية ، أو الدفقة الشعورية ، التي توجد في حدقة النفس الزجالة ، ولا يشعر بالأبعاد النفسية التي كانت وراء ظهور التجربة الزجلية ، ولا يهتم بطبيعة هذه التجربة ولا بوظيفتها ولا ببواعثها.
إذا كان رولان بارت ، الناقد البنيوي الفرنسي ، قد رفع شعار موت المؤلف ، فيحق لنا رفع شعار موت قارئ النص ، وأقصد النص الزجلي ، وأعني قارئ النص الزجلي على الواقع ، خيبة كبيرة تصيب الغيور على هذا الفن ، عندما يدخل الجامعة/ الجامعات المغربية ، فلا يجد مادة مخصصة ، مستقلة تعتني به ، وتشتشغل فيه وعليه ، وتقربه إلى الطلبة وتقرب الطلبة منه ، بدعوة أن نصوصه لا تتقيد بالإعراب !!!
قراء النص الزجلي في الواقع قليلون ، وما عليك إلا أن تخرج للواقع لتشهد بأم عينك ، فالشباب لا يهتمون به ، ولا يلتفتون إليه ، لأن الفنون الرخيصة البراقة تستهويهم وتغريهم…
والناس منشغلة بهم الرزق والعمل ، فهم لا يجدون ، أو لا يوجدون وقتا للقراءة ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر هناك قلة الدواوين المطبوعة ، وقلة العناية والاهتمام بهذا الفن الجميل الرائع الماتع .
لا أدري ، هل النص الزجلي سيعي ويعي المهتمون به ، أنه ما عاد تنفع الدراسات المنغقلة ، في الصالونات والمنتديات ، بل يجب رفع شعار تخصيص مادة لتدريس الزجل ، ليعرف الجيل القادم ويتعرف على أعلام الزجل وتاريخه وخصائصه…
خاتـــــمـــة :
وخلاصة القول : فإنه يلزم التفكير في محورية القارئ الجدي ، لأن الزجل بلا قارئ جهد ضائع ، ونشر النصوص في الفيس بهذه الكثرة الكثيرة ، والغزرة الغزيرة ، أمر محفوف بأشد المخاطر ، لأن القارئ الجاد المتفاعل قل ، وهذا يسمح بموت النصوص الأدبية وحصرها وانحصارها ، وعندي أنه لن يخرج النص الزجلي إلى عالم الواقع ، حتى يدخل إلى عالم الجامعة كمادة مستقلة ، فمتى نرى ذلك إذا؟ .

التجربة الذاتية للمبدع والنص الابداعي


****التجربة الذاتية للمبدع والنص الابداعي****

النص الابداعي هو تعبير من الذات المبدعة عن رؤية للواقع فالابداع لا ياتي من فراغ بل يجسد شكل انتاجه عينة لاستضمار شخصية مبدعه ومكوناتها الثقافية وعمقها الاجتماعي وخلفياتها الفكرية .

المبدع يتميز بحساسية شديدة اتجاه ما يمر به من مواقف وما يعيشه من احداث وما يصادفه من نمادج بشرية في محيطه القريب .هذه الحساسية الذاتية تتاسس على خلفيات ثقافية وفكرية وتربوية تشكل رؤيته النقدية الخاصة للابداع تكون مرجعية يستند اليها ليرسم في ذهنه الاطار العام لانتاجاته الابداعية.وحين نقول رؤية نقدية خاصة نعني رؤية ذاتية تستانس بما هو اكاديمي في النقد لكن تحاول التعامل معه بشكل يؤمن له حرية التصرف والانفلات بمرونة من نمطية القوالب الجاهزة .
كل هذا الزخم المتداخل الذي يتداخل فيه ماهو واقع /التجربة وما هو مكتسب/الثقافة -الفكر...بما هو ذاتي /الاحساس -الخيال...يكون حاضرا في الذات المبدعة فارضا لنفسه على المبدع اثناء الكتابة بل اثناء التفكير في ابداع النص .

تبعا لذلك ياتي النص الابداعي حاملا لكل المؤشرات التي تمكن من النفاد الى شخصية المبدع كما يعتبر عينة تمكن من التعرف على غنى تجربته الانسانية ومثانة ثقافته النقدية وغزارة مخياله الابداعي .

بهذا المعنى ياتي النص معبرا عن تجربة المبدع الذاتية ان على مستوى الواقع المعيش او على مستوى العملية الابداعية .وان كان التعبير عن التجربة الذاتية الواقعية يكون صريحا في السيرة الذاتية خصوصا فان النص الشعري لايعبر بالضرورة عن تجربة ذاتية في الواقع المعيش للمبدع بل مطية لتمرير خطاب جمالي من حيث الشكل يبرز فيه حسن تعامله مع اللغة ويعلن من خلاله عن شاعريته قاصدا من ذلك المتعة واثارة دهشة المتلقي..

فليس كل من كتب قصيدة عشق ملتهبة هو عاشق بل يتخد من تيمة العشق او غيرها وسيلة لمشاركة المتلقي المفترض جمالية القول الشعري هذه الجمالية /التي لاتبرز تجربة ذاتية واقعية/تظهر نوع اخر من التجربة وهي التجربة على مستوى الابداع ...

*****محمد بوعمران/مراكش**********

ابداعات الاحلام المعطوبة 3


إبداعات الأحلام المعطوبة

بقلم الاستاذ سعيد فرحاوي

الجزء الثالت
***
يا وجعي انقرض
حتى اقبل السنين بهمس انفجر
ياوجعي امهلني
رحمة يوما
يا وجعا هلم
هي فاجعة الأوجاع
 .
لم يبق إلا الوجع و الحلم المنكسر’ رغم كل شيء فإنها أصبحت تعيش كما تقول في دوامة الاندحار, *فأنت نصف ميت* في هذه الحياة التي تعيشها المرأة التي تظن نفسها أنها قوية.
فالأمل في الحقيقة هوا لدعر يلازم قاطرتها في الحياة ,هي في الأصل تتسلل إلى مقعدها لتصاحبها اللعنة,تسير في اتجاه جيلها المنهزم, فتبقى الجواري و الغواني في جنة الفلسفة العنترية حاضرة بشكل صعب و مستمر في العلبة السوداء فيبقى المخلوق الزئبقي يرافقها بإيحاءات ينتقل مع المذنب القاضي ,يصاحبها في زنزانة الحياة المليئة بالفوضى و الاضطرار و في المشهد الأخير يشق أبواب السكة المدفونة في عقدتها ,فتقع في دوامة الاندحار ,يبقى الوجع يلازمها يلامسها يصاحبها بهمس الضجر ,تطلب الرحمة و البوح و الحلم الملتهب في فردوسها البابلي, و تبقى ثورتها وردية و فاجعتها قاطرة حلم مهزوم . هذه هي الكتابة و الإبداع و حكايات الثورة و المراءة و الوطن و قاطرة تجر وراءها أوجاعا من نوع مغاير ,تعبير ممتد و قوي , صلب منكسر,تظهر المرأة الحديدية منهارة على جبل من نار ,تحمل هم الآخرين تبحث عن رحمة لوجعها ظل على طول النصوص يرافقها بدون انقطاع .
أنها كتابة البحت عن السعادة المفتقدة و البوح الذي يخفي الجرح الذفين في ذات أحلامها معطوبة.
هي صورة مركبة من مجموعة من حكايات امرأة تمزج الصورة بالأقوال, بشهادات شخصيات وازنة و كتابات ثائرة تبحث عن مخرج و بديل غير موجود تجده في أمها الرحيمة بصفتها تمثل مملكتها و أمنيتها و حلمها و مصدر انبعاثها. مرجانة بين : الوعد والعشق في الكتابة
خير ما نبدأ به هذه الدردشة هو عشق الوعد في الكتابة ، الالتزام والوعد في المجال الشعري هو استحضار روحي للمعاني واستيقاظ خياراتها وسقي عطشها. الوعد هنا له دلالات متنوعة أهمها استنطاق التمزقات الداخلية العميقة ،إحياء الآهات الغابرة المختفية التي لا يعرفها إلا شاعر(ة) يعاني في صمت بدون ذكرها ، بوحها فقط لعب بتمفصلاتها يخفي الجرح والألم،تراقصها لغة لا تكشف عن عذاباتها ومعاناتها بطريقة لطيفة مزينة بقماش جميل ولباس مزهو بألوان سرابية ..هو في العمق لا يحمل إلا الجرح غير السائل ..لا لون له ولا طعم..يتغذى بكينونته المعطوبة والمجروحة..كل ذلك يبني شعرية عالم أساسه السراب والافتقاد.فكتابات مرجانة المنشورة على صفحتها الطويلة الممتدة بصيغ متعددة ...تمثل إطلالة تحيل على تلقيات تستوحي من هذا الوعد موضوعها.
يظهر واضحا بدون مصدر ،يغيب المقصود ولا يظهر المتلقي،يبحر في مجالات مختلفة بإشارات بسيطة ، مرة يكشف عن الذات بوحه بلا ملامح..ومرة أخرى يخفي الأخر الحاضر والغائب معا..لعيون يحملها الوطن المكسو بجرح وألم لا لون له .هي تجليات الوعد عندما يظهر بدون هوية ولا معالم في تلفظات قصيرة ومتنوعة. الرقص عندها وعد يشدو معانقا شهوة ما ، تظهر الشاعرة غير قادرة على التحليق لأنها تمكث في سراب التحول والتجوال ..هي مسارات الانتقال من الأنا والآخر في ذات واحدة منكسرة تعلن عن شرودها بشكل تراتبي..يكفيها حصة واحدة كما تقول من الرقص لتنتقل إلى النشوة فتتوقف كل حركاتها..حلمها الوحيد المحدد في مخيلتها ..هي الوحيدة التي تعرف كل شيء عن مساراتها..تغازل اللغة بإشارات مليئة بالألم والحزن والجرح،تقول: (اعرف ذاكرة الموتى) يكفي حصة واحدة من الرقص للتشضي وتنتفض ترى العالم أمامها يتحقق ببطء تعرف جغرافية الوجود المسلول .الحياة تتمدد في نشوة لا مثيل لها في وعد غير معروف،نشوة من نوع خاص، وأي نشوة وشهوة هذه في هذا الوجه الذي ترسمه رقصة الشعر ؟إنها شهوة الألغاز الدفينة في وعد بدون تحليق ليس في السماء ولا في الذات، لأنه تحليق تعرف معالمه هي وحدها... على جدار في الأسفل ، تتمطط تحلق ، ترقص، فراشاتها تنمو ببطء ،تلهو ،تكتب ،ترتب السرير في غربتها المفترضة ،تدعو للعصيان تحدد شكل باب مسيرتها المغلق و أناها نائمة في غربة واغتراب ، تتصيد شكل رقصتها المرافقة لنشوة اللذة الأخيرة ، شهوة تختار جلستها وهوية اللحظة التي تريدها،تنادي ،تسكت ، تطلب معالمها صائحة :(بدل أن تزرع ألغاما في حقلي ، فلتكن وردة ) متمكنة من كل شيء ،تعرف التفاصيل الصغيرة والكبيرة ، تتكلم بطريقتها وتتوقف عندما تريد .هي فراشات مضيئة في حقلها ،طازج نسيمها باسم قلبها ،تحلم بشكل الرقصة ،تقول :(فجأة توقف قلبي عن الغناء) أي غناء هذا الذي كان القلب مصدره ؟ أليس كما تقول :(وأنا اهمس لشاعر حزين )،الغناء المقصود هو الذي وصفه لها الطبيب عندما طالبها بالابتعاد عن عالم الكبار،ترقص مع الأطفال وتفرح لفرحهم، تحزن لحزنهم ،أليس الغناء المقصود في الوعد هو الذي خرج من القلب فجعل الشاعرة تهمس للشاعر الحزين وتتواصل مع الأطفال؟ أم أن زوار الليل الذين احرقوا قلبها بالأمس وأوقفوا الفراشات المضيئة عن التحليق في سمائها هم من أوقف النشيد وحولوا القلب إلى محرقة فنام وأصبح المكان ضيقا فادى إلى اختناقها ، لتحل الفوضى ويظهر الوطن جريحا ؟
والنتيجة هي اقتراف الحماقات وارتعا شاتها تظهر زائدة عابرة صغيرة تشعرها بالافتقاد،كل ذلك وهي تبحث عن جرعة ابتسامات تبلل بها ما غاب في جرحها . إنها ابتسامات هادئة تحولها فتجعلها تغفو في البديل الذي أساسه البحث عن مكان صمتها و معاناتها لتبقى أسئلة طائر مارد مار يسبح باسم قلبها في بحر التيه والضياع .أسئلتها استحضار الوعد المؤجل الحاضر الخفي في صمتها وضجيجها ..وعد تذكره مرة (دعوتك حين فقدت الإحساس بالزمن ) فيصبح الوعد افتقادا ..وتعد في اليقظة (وعدتك بموت أخر ينتظرني)فيصبح الوعد هنا ضياعا في الضياع..تعد في الضياع وبالضياع ..تعد بالعودة إلى الافتقاد ..فتظهر ملامح الوعد في كل تجلياته حاضرا غير مرئي ..وعد مرافق للألم واستنطاق للحزن .إن العالم في نظرها ..قصاصات جرائد كسلى تغسل أوجاعها في الوطن ، ترسم لوحة للفوضى لا تناسب ماضيها ،ترسم امرأة لا تشبهها لتعيش في الانجراف.

الأحد، 19 أغسطس 2018

ابداعات الاحلام المعطوبة الجزء 2


إبداعات الأحلام المعطوبة

بقلم الاستاذ سعيد فرحاوي

الجزء الثاني
***
وطن تناجيه و تعتذر له *عذرا سيدي*
لست ابتغي من الحرير سندسا
ولا من المال....
لا لا....
احلم بالوطن ,بالدم الأخضر سيلا
يروي صحراوات السراب
بالعشق الأحمر يروي و يروي
بأفيون الشعوب المسحورة
في أوجاع الأوجاع
هذا ملف مطلبي.*
في نظرها* كن أولا-تكن*

لان الخفق ينعتها و الجليد يرعبها و الظلم ينصفها و القتل يحييها و الرذى يشفيها. كلها نماذج مرفوضة هشة خاصة عندما يتحول المذنب الى قاض, فتحل الفوضى و التسيب, لأنه في المشهد الأخير لم يبح بشئ و لم يعترف بمهازله ولم يطلب طي صفحته و يطرح البديل. فالاستمرار في الطعن و الفتك والانتهاك المستمر الحاضر في عقلية ذكورية لم تتغير على طول الزمن و النتيجة ضرورة قطع رأس الأفعى لكي لا يتذبذب الرأس المجاور و تستمر المجازر و القتلى و تضيع الحياة.هي امرأة تتخذ كل شيء باختيارات واضحة و مرجعية محددة لتدافع عن الوطن بقوة, تحلم بالوطن و العشق الأحمر, و بامرأة حرة مثلها مثل أخيها الرجل تقوم بوجباتها اتجاه نفسها و اتجاه الرجل و اتجاه الحياة و الوطن’ تحلم بمحو الظلم و الطغيان ولا تتردد في نعت الطغاة بأسماء رديئة ,مرة تنعتهم بهرقل و مرة أخرى تنعتهم بابي الهول و مرة تصف الخونة بشردمة من السماسرة, كما تتألم بلغة واضحة ناعثة الرجل بالفكر العنتري, فاللعنة ترافقها في كل خطاباتها أينما حلت, تجد نفسها تطبخ أحلامها المعطوبة و تتسكع في تيه حياة غير مقبولة ,مرة تبدا بها كاسم لقصيدة, تقول *تحترق شمس الضحى بلهيب يذغدغ .....فسر بي في اتجاه الجبل الناري* ....تتشابك الأيادي تكتر الدموع ومرة أخرى يحضر السراب ليغطي ما تبقى من حلمها فيصبح نشيدا يرافقها في أوقات أخرى, يشق سحاب السكة المدفونة ,يلازمها الذعر, و الخوف يتسلل إلى مقعدها, لكنها تغلو, تستفيض, تنظر إلى الزمن الرذيء, هي وحدها تعرف ما تريد, وكل ما تقصده في وقتها الخاص بها مؤجل, تتحرك فيه كما تريد, و تعي ما تقصد, تتحرك بالطريقة التي تشاء. إنها لعنة سراب في الزمن السوريالي الغابر المحدد.
تطرح المقامات للجواري و ألغواني في فلسفة عنترية الشكل ,سوق و تبضع, أسواق سوداء و جنح الظلام الدامس تطفو على سطحها ,يحكمه فكر محتكر عنصري و مريض .كل في واد. و النتيجة كما تقول في علبة سوداء تستمر في امتصاص حقائق يطمسها بطلاء’ يتحكم فيه مخلوق زئبقي منفلت عن التصنيف, صنع رصاصات المكر و الاحتكار, مرفوض في ذاكرة تصورها, ذلك ما تريده القضيوي في كتاباتها’ و ما تبحت عنه و ما تريد إيصاله إلى العالم الخارجي, سلوك تريد ان تتقاسمه مع الآخرين, في حين تقذف بالزانية وبالفانية فقط لأنها تكتب و تدافع عن موقف محدد, تتواصل مع الأصدقاء, و في الأخير عندما تتعب تقصد أمها تجدها بديلا و حلا مخلصا من ألمها و عذابها, الأم ولا شيء غير الأم’ ربما الوحيدة المخلصة القادرة عن محوه ما تشعر به ,هي القريبة منها و لفكرها و لمسارها الحياتي الايجابي ,تقول في بيعتها لامها هي- الأميرة الجليلة المخلصة- أبجدية الإمارة منها ترتوي, هي الملكة العظيمة منها تستنشق الهواء, و ترتوي و تحيى ,بالمقابل تقول عن الأخر في اصطدام عنيف و قوي *لو كنت زوجي لدست السم في طعامك*علاقة تنافر و تناحر و اصطدام ,في حين تكون الأم خلاصها و حلها النهائي .هذا الحب للام يجعلها تحتشم و تختفي عندما ترى نفسها ملزمة بالانفجار تقول- لا تخبروا والدتي إني يوما رسمت قبلة دافئة على جبين صفحاتها, ارسم ابتسامة حمقاء و لا ادري حتى ابتلعني النسيان- و لكن الحقيقة تظهر واضحة في نهاية مسارها لتعلن الهزيمة و الانكسار, لم يبق إلا الوجع و السقوط و الانهيار, سمة مهيمنة بخفاء في عمق الكتابة عند وفاء ,القضيوي الادريسي, رغم إظهار القوة والانبهار و التباهي بالأفكار و المبادئ الإنسانية العالية ,معانقة كبار الكتاب و الفلاسفة, فتصورها للحياة و التظاهر بأفكار كبيرة وازنة في تاريخ البشرية, رغم ذلك في أخر المطاف يظهر الانكسار و تتجلى صورة التدهور للمرأة العربية المهزومة, يخفى ذلك عمقها في الكتابة وأحيانا ظاهرها

بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ

محمد زغلال محمد ****** tag .**** بين براءة النقد وانهيار النقد البريئ **** 1... لعبة النقد . 2... البنية الترقيعية ف...